الجنوب يحارب كي يبقى قادراً على الحبّ والمقاومة

post-img

نور محمود (صحيفة الأخبار)

 

في الجنوب، لا تُقاسُ الأوطانُ بمساحةِ الأرض، بل بقدرةِ الناسِ على حملِ الخرابِ فوق ظهورهم والمشيِ بهِ كأنّهُ قدرٌ منزليٌّ قديم.

هناك، عند الحافةِ التي تتعبُ فيها الجغرافيا من عدِّ الحروب، تتدلّى القرى كقناديلَ حجريةٍ فوق كتفِ البلاد، نصفُها صلاةٌ ونصفُها ندبة، فيما الريحُ الآتيةُ من الحدودِ تبدو كأنّها تحملُ دائمًا رائحةَ معدنٍ محترق.

كأنك لا تروي حربًا مباشرة، بل تروي «طبائع أرض» تتكلم وحدها. الجنوب هنا لا يظهر كعنوان سياسي، بل ككائن حيّ: بيت، تنور، زعتر، أمّ تنتظر، حجر يعرف أسماء الشهداء، وشجرة تين تحفظ الأسرار.

فالجنوب ليس مكانًا، بل مزاجُ بقاء، شيءٌ يشبهُ تلك الأشجارِ التي كلّما قُصفتْ نبتتْ من جديدٍ بطريقةٍ أكثر عنادًا، كأنّها تحفظُ في جذورها وصيّةً سرّيةً تقول: «لا يحقُّ للأرضِ أن تموتَ ما دام فيها مَن يسمّيها أمًّا».

لهذا، لم يكن الذين عاشوا هناك يعيشون الحياةَ كاملةً كما يفعلُ الآخرون، بل كانوا يقتسمونها مع الحذر، مع الفقد، مع احتمالاتِ الغيابِ المفاجئ. فالطفلُ الجنوبيّ يتعلّمُ باكرًا أنّ الطرقاتِ ليست دائمًا للعب، وأنّ السماء قد تنقلبُ في لحظةٍ إلى فمٍ حديديٍّ مفتوحٍ على النار. يتعلّمُ أيضًا أنّ على الإنسانِ أن يحفظَ أسماءَ أحبّتهِ جيّدًا، لأنّ الحربَ تملكُ عادةً قاسيةً في تحويلِ الناسِ إلى صور.

الذاكرة كالزراعة: توريث الحكاية عبر الأجيال

فلم تعد الحربُ هناك حدثًا طارئًا، بل ظلًّا طويلًا يمرّ بمحاذاة الأجيال. الجدّ الذي حكى عن احتلالٍ قديم، سلّم حكايته للأب، والأب سلّمها للابن، حتى صارت الذاكرة أشبه بسلسلة قناديل معلّقة فوق طريقٍ معتم. لذلك يبدو الجنوبيّ أحيانًا أكبر من عمره الحقيقي؛ لأنّ داخله يعيش أكثر من زمنٍ واحد، وأكثر من حربٍ واحدة.

ومن هنا، تعلّم الناس أن الذاكرة نوعٌ من الزراعة. يزرعون أسماء الراحلين في الكلام اليومي، في وصف الطرقات، في تسمية الدكاكين، وفي القصص التي تُقال بعد القهوة المرّة. فأخذ الفقد في القرى الجنوبية هيئةً يومية. ترى اليُتمَ يمشي إلى المدرسةِ بحقيبةٍ أكبر من عمره، وترى الأطفالَ الذين تعلّموا باكرًا كيف يُخفون ارتجافةَ أصواتهم حينَ يُسألون عن آبائهم. أمّا النساء، فيتحدّثنَ عن الشهداءِ كما لو أنّهم سافروا فقط، مدركاتٍ أنّ سفرهم ذاك كان سببه وحشٌ يتربص أرزاقهم وأرضهم، لا حبًّا بالسفر ومشقته.

أمهات الجنوب

ورغم كلّ ذلك، لا أحد هناك يملك رفاهية الانهيار الكامل. حتى البكاء مؤجّل غالبًا، لأنّ الحياة أكثر استعجالًا من الحزن. فالأمُّ التي فقدتْ ابنها تُكملُ إعدادَ القهوةِ للمعزّين، ثم تمسحُ دمعتها بطرفِ منديلها وتقولُ بصوتٍ خافتٍ يشبهُ الحجارةَ حينَ تتعب: «الله يرضى عليه، رفعلي راسي».

إذ إنّ الأمّهات الجنوبيّات لا يُشبهن بقيّة الأمهات. هُنَّ كائناتٌ خُلِقنَ من طينٍ ممزوجٍ بصبر الانتظار والقوة. يحفظنَ وجوهَ أبنائهنّ كما تُحفَظُ الآياتُ القديمة، ويعشنَ أعمارهنّ وهنّ يفتحنَ البابَ على خوفٍ لا يهدأ. كلُّ أمٍّ هناك تحملُ مشروعَ فاجعةٍ مؤجّلة، ومع ذلك تُطعمُ أولادها، تُكبرهم، تُعلّقُ الغسيل، وتوصيهم ألّا يتأخروا ليلًا، كأنّها تحاولُ أن تهزمَ الحربَ بتفاصيلِ الأمومةِ الصغيرة المليئة فعلًا بحب «الحياة والمقاومة» لأجل البقاء.

اقتصاد النجاة: الزعتر والمونة في مواجهة الحصار

حتى الطعامُ هناك يحملُ فلسفةَ نجاةٍ كاملة. الزعتر، الكشك، المونة، الزيت، التنور… ليست مجرّد عاداتٍ ريفية، بل اقتصادُ بقاءٍ طويل تعلّمه الناس من الحصار والخوف للبقاء ليس إلاّ. فالأمُّ الجنوبيةُ لا تخزّن الطعام لأنّها تخاف الجوع، بل لأنّها لا تثقُ بالسلام الكامل في ظلّ محتلّ همجي.

ومع ذلك كلّه، ظلّ الجنوب يحبّ الحياة بعنادِ مَن يعرف هشاشتها جيدًا. كانت النساء يزرعن الحبق قرب البيوت المهدّمة، كأنّ الرائحة نفسها شكلٌ من أشكال المقاومة. وكان الرجال يصلحون الأبواب التي تعرف مسبقًا أنّها ستُخلع مرّةً أخرى ما دام هناك عدوّ يتمركز على الحدود. أمّا الأولاد، فكانوا يلعبون الكرة قرب الحيطان المثقوبة بالشظايا، يركضون خلف الضحك كأنّهم يركضون ضدّ الموت نفسه.

ولأنّ الخراب هناك يبدو مؤقّتًا دائمًا، ظلّ الناس يخبّئون خبزهم الساخن للغد. القرى التي احترقت مرارًا عادت وعلّقت غسيلها على الحبال نفسها، كأنّ أهلها يملكون اتفاقًا سرّيًا مع الحياة: كلّما أخذت الحرب بيتًا، أعادوا بناء نافذة، وكلّما سقط حجر، رفعوا إبريق الشاي. حتى المواسم لم تسلم من هذه الفلسفة. فالورود تُزرع فوق التراب الذي ضمّ الأحبّة، كأنّ الجنوب يصرّ على تربية الجمال فوق مواجعه.

ولعلّ أكثر ما يربك الحروب هناك أنّ الناس لا يمنحونها الهيبة الكاملة. يسخرون منها أحيانًا، يختصرونها بنكتهٍ قروية أو بمثلٍ شعبيّ قديم: «الريح العالية ما بتكسر الزيتون». هكذا، عبر حكمةٍ فطرية بسيطة، يتحوّلون من ضحايا إلى شهود يمتلكون فائضًا من التحمّل. «الحيط الواطي بياكل كفوف»، يقولون، ثم يرفعون بيوتهم من جديد. و«الريح ما بتكسر الزيتون»، يردّدها رجلٌ فقد نصف أرضه، قبل أن ينزل صباحًا ليقلّم الأشجار كأنّه يضمّد أجسادًا حيّة. كأن الجنوبيُّ اكتشف أكثرَ أشكالِ البطولةِ نقاءً: أن تخافَ كثيرًا… وتبقى.

جوهر البطولة: الدفاع عن الحق في الحب والبقاء

وهذه، ربما، حكاية الجنوب كلّها: ليس أنّه لم يتألّم، بل أنّه لم يسمح للألم أن يسلبه إنسانيّته. لم يسمح للحرب أن تحوّله إلى حجر، رغم أنّه عاش عمرًا كاملًا بين الحجارة المهدّمة. ظلّ يزرع، ويعشق، ويخبز، ويُسمّي أبناءه بأسماء الضوء، كأنّه يردّ على الموت بطريقةٍ شاعرية جارحة.

لذلك، حين يُذكر الجنوب، لا ينبغي أن نتذكّر المعارك فقط، بل تلك القدرة المذهلة على تحويل الوجع إلى شكلٍ آخر من أشكال الحياة. حين تصبح الخسارة سببًا إضافيًّا للتشبّث لا للرحيل، وحين يحمل الناس موتاهم في قلوبهم لا فوق ظهورهم. أن يعرف الإنسان أنّه قابل للكسر في أيّة لحظة، ثم ينهض صباحًا ليسقي الياسمين.

هكذا يبدو الجنوب لمن يعرفه جيدًا: ليس مكانًا للحرب فقط، بل مدرسة طويلة في احتمال الفقد. دفاعًا عن أحقية الحياة، دفاعًا عن الحق نفسه. وكلّما ظنّ العالم أنّ التعب كسره، خرج من تحت الركام ينفض الغبار عن كتفيه ويقول بلهجته الصامدة: «بعد في قهوة… اقعدوا».

كأنّ الجنوب، في جوهره العميق، لم يكن يحارب كي ينتصر فقط، بل كي يبقى قادرًا على الحبّ والمقاومة بشرف. وهذا، ربما، أشقُّ أنواعِ البطولةِ كلّها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد