لينا رشيد (صحيفة الأخبار)
لم يحمل ما يُسمى «الهدنة» لكثير من العائلات النازحة شعوراً حقيقياً بالاستقرار، بل فُرِض عليهم واقعٌ غريبٌ وأكثر تعقيداً، إذ تعيش الأسر، كل واحدة منها، بين منزل تخشى البقاء فيه لوقوعه في منطقة «غير آمنة»، ومركز إيواء يصعب الاستمرار في البقاء فيه لفترة أطول.
في الأيام الماضية، وعلى الرغم من عودة عدد من سكان الضاحية الجنوبية وعدد قليل من قرى الجنوب إلى مناطقهم لتفقّد منازلهم ومحاولة ترميم ما أمكن من تفاصيل حياتهم اليومية، بقيت هذه العودة منقوصة وهشّة، إذ لا يزال الخوف من تجدّد التصعيد والغارات يخيّم على يومياتهم، ما يدفع كثيرين إلى اعتماد نمط حياة مزدوج: نهاراً في المنازل لتسيير شؤونهم الحياتية، وليلاً في مراكز الإيواء بحثاً عن قدر من الأمان.
لذا، لم تعد العائلات تعيش مجتمعة في مكان واحد في حالات كثيرة، بل توزّعت بين المنازل ومراكز الإيواء. بعض أفراد الأسرة يعودون إلى المنزل لمتابعة أعمالهم وتأمين الحد الأدنى من المصاريف اليومية، فيما يبقى فرد أو أكثر داخل مركز الإيواء لحجز المكان، حتى لا تخسر العائلة الغرفة التي حصلت عليها.
ومع الوقت، تحوّلت الغرفة داخل مركز الإيواء إلى ما يشبه «طوق نجاة» بالنسبة إلى كثير من النازحين، إذ لا تجرؤ عائلات كثيرة على تسليمها خوفاً من نزوح جديد قد يتركها بلا مأوى إذا تجدّد التصعيد. وهكذا تحوّلت الهدنة، بالنسبة إلى كثيرين، من مرحلة راحة منتظرة إلى حالة مُعلّقة بين خوف دائم ومحاولة مستمرة للتمسّك بالحياة.
داخل مهنية الدكوانة المُعتمدة كمركز إيواء، تتحدّث فاطمة التى نزحت من منطقة برج البراجنة، وهي أمّ لثلاثة أطفال، عن يوميات فرضتها الظروف الاقتصادية والهواجس الأمنية معاً، إذ تحوّلت الهدنة بالنسبة إليها إلى عبء جديد يوزّع العائلة بين مكانين وحياتين. تقول: «أثناء الحرب كنّا كلّنا مع بعض، واليوم فرّقتنا الهدنة». تتابع: «ما عدت قادرة على تحمّل مصاريف الطريق والتنقّل كل يوم». وتضيف، لذا «اضطررت إلى ترك أولادي في مركز الإيواء والنوم في البيت لأتمكّن من توفير بعض المال. وكل يومين أذهب لزيارتهم، أطبخ لهم وأطمئن على حالهم. حتى ثيابنا قُسّمت بين البيت والمدرسة، مثل أدوات المطبخ».
لا البيت يشبه العودة ولا المأوى يشبه الاستقرار
بالنسبة إلى فاطمة، لم يعد هناك من مكان يمنح شعوراً كاملاً بالأمان أو الراحة. فالمنزل لا يزال يحمل آثار الحرب والخوف من تجدّد القصف، فيما تحوّل مركز الإيواء إلى إقامة طويلة تفتقر إلى الخصوصية والاستقرار. وبين هذين الخيارين القاسيين، تعيش عائلات كثيرة حالة مُعلّقة، تحاول فيها التكيّف مع واقع لا يشبه العودة الكاملة ولا النزوح الكامل.
أمّا ريما النازحة من الشياح إلى مدرسة برج حمود، فترى أنّ الحرب، وعلى الرغم من قسوتها، تبقي العائلة مجتمعة، بينما جاءت الهدنة لتوزّع أفرادها بين أماكن مختلفة وقلق دائم. تشتكي ريما وتقول: «الحرب جمعتنا تحت سقف واحد، أمّا الهدنة ففرّقتنا. بعض أولادي عادوا إلى البيت لأن الحياة في مركز الإيواء صارت متعبة، فيما بقي البعض الآخر هنا خوفاً من أي شيء جديد». ما يعني أنّ العائلة تعيش في مكانين منفصلين، ولا واحد منهما يشبه البيت.
سعاد، تؤكد من جهتها أنّها لا تزال عاجزة عن العودة إلى منزلها الكائن في محلّة المريجة في الضاحية الجنوبية بسبب خوفها على والديها المُسنّين. تقول: «أنا مثل كثيرين من الناس لا أستطيع العودة إلى بيتي. أخاف على أمي وأبي الطاعنين في السن». بالنسبة إلى سعاد «الهدنة كذبة وإسرائيل غدّارة، وإذا عاد القصف فلن أتمكن من تلبية حاجاتهما». وحول إمكانية العودة النهائية إلى بيتها في المريجة، تضيف: «لن أعود قبل إعلان وقف كامل للحرب».
من جهتها، بقيت أم علي ابنة الجنوب داخل مدرسة في برج حمود، بسبب ظروفها الصحية ومرض ابنها بالسرطان، فضلاً عن إبقاء المكان محجوزاً في مركز الإيواء، فيما عاد إخوتها إلى أعمالهم ومنازلهم. الحياة في بيروت لا تناسب أم علي التي تقول بحسرة: «مشتاقة إلى شجرة الزيتون، في القرية كنت آكل من خيرات الأرض، أمّا هنا، فكيفما تلفّت أدفع مالاً».
واقع «الهدنة» هذا خلق شكلاً جديداً من النزوح، لا يقوم على المغادرة الكاملة ولا على العودة الكاملة، بل على تنقّل دائم بين المنازل ومراكز الإيواء، وفقاً للتطورات الأمنية والقدرة المعيشية لكل عائلة. فالكثير من الأسر باتت تعيش حياة مؤقّتة ومُجزّأة في ظل هدنة هشّة، فيما لا يزال الخوف حاضراً في تفاصيل يومياتها، كأنّ الحرب لم تنتهِ بعد، بل تغيّرت ملامحها فقط.