معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
الحديث عن وجود قوات مصرية، في أربع دول خليجية ،لا يمكن التعامل معه على أنه ترتيب عسكري ظرفي أو تعاون دفاعي تقليدي. ما يجري يشير إلى طبقة أعمق من إعادة تشكيل البنية الأمنية في منطقة شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط)، حيث تتحرك الجيوش العربية داخل شبكة قيادة وإدارة تُعاد هندستها أمريكيًا؛ تحت ضغط الصراع المفتوح مع إيران. في هذا المسار، تصبح الجغرافيا جزءًا من بنية تشغيل عسكرية أوسع تُدار من خارج الإقليم، وتُعاد صياغتها تدريجيًا عبر أدوات تقنية واتصالية وتنظيمية متراكبة، متجاوزة إطار الدولة الجغرافي السيادي.
داخل هذا التحول، تظهر اتفاقية CISMOA؛ لتكون أحد أهم المفاتيح غير المرئية. هي لا تتعلق بتبادل معلومات أو تحسين التنسيق العسكري فقط، أيضًا بإدخال الجيوش في منظومة تشغيل تعتمد على معايير أمريكية في الاتصالات والتشفير وإدارة البيانات. هذا النوع من الإدماج لا ينتج تبعية سياسية مباشرة بالمعنى التقليدي، لكنه يعيد تشكيل مركز القرار العسكري نفسه؛ حيث يصبح مرتبطًا بالبنية التي تنتج المعلومة، وتتحكّم في تدفقها قبل لحظة اتخاذ القرار.
فكرة "حسن الجيرة" تفقد فعاليتها التحليلية حين تُفصل عن الجغرافيا الأمنية. الدولة لا تُقرأ من خلال خطابها السياسي أو حدودها القانونية فقط، أيضًا من موقعها داخل شبكة التهديد والردع. عندما تتحول أراضٍ في الإقليم إلى منصات تشغيل متقدمة لقوة تعلن أن خصمها المركزي هو إيران، يصبح الحديث عن السيادة أقرب إلى تعريف قانوني ثابت داخل واقع عملياتي متغير.
القوى الكبرى لا تتعامل مع السيادة على أنه حال مستقلة، هي عنصر داخل توازنات الردع. أزمة كوبا، في الستينيات من القرن الماضي، لم تُقرأ بصفته مسألة سيادة لدولة ثالثة، إنما لكونه اختراقًا استراتيجيًا لعمق أمريكي حساس. بالمثل، فهمت روسيا مسألة توسع الناتو شرقًا على أنه تحول في بنية التهديد لا مجرد قرارات سيادية لدول مستقلة. في هذا المستوى من التحليل، الدولة لا تُفهم خارج موقعها داخل منظومة الصراع، بل من خلال هذا الموقع تحديدًا.
رفضُ مصر، على مدى عقود طويلة، توقيع CISMOA لم يكن تفصيلًا تفاوضيًا أو موقفًا تقنيًا، هو تعبير عن إدراك مبكر لطبيعة التحول نحو شبكات التشغيل العسكري. الاتفاقية تمثل انتقالًا من التعاون العسكري التقليدي إلى إدخال أنظمة القيادة والسيطرة الوطنية، داخل بنية معيارية أمريكية، تعيد تعريف كيفية إنتاج القرار العسكري نفسه. عندما جرى التوقيع في العام 2018، لم ينتج ذلك تغييرًا في ميزان القوة الإقليمي، إنما عمّق مسار الاندماج داخل بنية قائمة أصلًا تعمل بمنطق الشبكات؛ لا بمنطق الدول المنفصلة.
هذه الاتفاقيات تؤسس لاعتماد بنيوي طويل المدى على منظومات الاتصالات والتشفير والربط المعلوماتي الأمريكية. مع الوقت، لا يعود القرار العسكري نتاجًا حصريًا لمركز وطني مستقل، يصبح مرتبطًا بالبنية التي تدير تدفق البيانات وتحدد مستويات الرؤية والاستخبار. السيطرة، هنا، لا تظهر في شكل أوامر مباشرة، حتى في التحكم بالبنية التحتية التي يُبنى داخلها القرار أصلًا.
التحول الأكثر حساسية حدث مع نقل "إسرائيل" إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). هذه الخطوة لم تكن إعادة توزيع إداري داخل البنتاغون، هي إعادة تعريف للمجال الإقليمي العسكري بأكمله. للمرة الأولى؛ أصبحت إسرائيل داخل البيئة العملياتية نفسها التي تضم الجيوش العربية في الخليج وشرق المتوسط والبحر الأحمر، ما أدى إلى إزالة الحاجز البنيوي الذي كان يفصلها عن النظام العسكري العربي داخل المنظومة الأمريكية.
هذا الدمج لم ينتج مجرد تنسيق أوسع، أيضًا أعاد تشكيل مفهوم التهديد نفسه داخل العقيدة الإقليمية. "إسرائيل"، والتي كانت تُصنف على مدى عقود تهديدًا مركزيًا، أدرجت داخل بنية أمنية تراها عنصرًا وظيفيًا في الاستقرار الإقليمي؛ في حين صُعّدت إيران إلى موقع التهديد المركزي. هذا التحول لا يعكس تغييرًا في اللغة السياسية فقط، بقدر ما هو إعادة بناء لطريقة إدراك الخطر داخل المنظومة العسكرية نفسها.
في هذا الإطار؛ تتسارع مشاريع الدفاع الجوي المشترك والإنذار المبكر وربط الرادارات وتبادل البيانات الاستخباراتية. اكتسبت هذه المشاريع، خلال الحرب الإقليمية الأخيرة، طابعًا أكثر كثافة، لا سيما مع توسع التنسيق بين دول عربية و"إسرائيل" عبر قنوات غير مباشرة داخل البنية الأمريكية.
تظهر، في هذا السياق، نماذج ميدانية مثل المفرزة الجوية المصرية في الإمارات، حيث لا يعود الوجود العسكري مجرد تموضع ثنائي، إنما هو جزء من شبكة تشغيل أوسع تُدار بمعايير موحدة للاتصال والإنذار وتبادل البيانات. هذا النمط يعكس انتقالًا من التعاون التقليدي إلى دمج عملي، داخل منظومة دفاع جوي إقليمي، تُدار بنيتها العليا من خارج الإقليم، في حين تتحول الجيوش المحلية إلى وحدات تشغيل داخل شبكة مترابطة وظيفيًا.
هذا التطور لا يمكن فصله عن منطق التشغيل البيني الذي تؤسسه اتفاقيات مثل CISMOA، لكنه يتجاوزه من حيث النتيجة. إذ إن التكامل بين أنظمة القيادة الموحدة والبنية التقنية ينتج فضاء عملياتيًا واحدًا؛ تتداخل داخله الجيوش العربية و"إسرائيل" ضمن شبكة تشغيل مشتركة. الفارق الجوهري، هنا، أن مركز القرار لا يقع داخل هذه الشبكة، بل خارجها، في حين يجري تنظيم الفاعلين المحليين داخلها وفقًا لقواعد تشغيل محددة مسبقًا.
يعكس افتتاح خلية التنسيق، في قاعدة العديد في قطر، انتقالًا إضافيًا في هذا المسار. لم يعد التنسيق العسكري قائمًا على علاقات ثنائية بين دول والولايات المتحدة، بقدر ما أصبح جزءًا من منظومة إقليمية واحدة تعتمد التشغيل البيني وتبادل البيانات وإدارة المجال الجوي والدفاعي من مركز قيادة موحد.
الخطر البنيوي في هذا التحول لا يتعلق بفقدان السيادة بالشكل التقليدي، إنما بإعادة تشكيل القرار العسكري نفسه داخل بنية شبكية. إذ مع الوقت يصبح الاستقلال العملياتي أكثر كلفة وتعقيدًا، ليس بسبب ضغط سياسي مباشر، بل بسبب الاعتماد التقني والتنظيمي على الشبكة التي تنتج القرار، وتدير أدواته.
في هذا السياق، يجري إدراج "إسرائيل" داخل النظام نفسه بصفتها عنصرًا وظيفيًا داخل بنية أمن إقليمي أعيد تعريفها بالكامل. إذ لم تعد العلاقة قائمة على ثنائية العدو والصديق بالشكل التقليدي، بل على توزيع وظيفي داخل منظومة تشغيل واحدة.
المفارقة أن هذا التحول يتزامن مع تراجع فكرة الضامن الأمريكي المحايد لمصلحة منظومة تكون فيها أولوية التفوق الإسرائيلي ثابتة، داخل البنية، في حين يُطلب من الأطراف الأخرى التكيف ضمن إطارها التشغيلي.
في المحصلة
لا يتعلق الأمر بانتشار قوات أو توقيع اتفاقيات منفصلة، إنما بإعادة صياغة الجيوش العربية نفسها، داخل هندسة أمنية إقليمية مترابطة، مركزها الولايات المتحدة وإسرائيل جزء بنيوي منها.
لذلك؛ لا يرتبط السؤال الحاسم بموقع كل دولة، داخل هذا المشهد، إنما بطبيعة النظام الذي يُعاد إنتاجه ككل، فمن يمتلك القدرة الفعلية على تعريف العدو داخله وتحديد قواعد الاشتباك التي تحكم؟