علي بدر الدين (صحيفة البناء)
منذ بدء الحديث عن “ضرورة ووجوب” ما سُميّ المفاوضات المباشرة بين لبنان و”إسرائيل”، كنت ممن اعتبروا بأنها “طبخة بحص” لا جدوى منها ولا فائدة للبنان، لأنّ هذا العدو منذ أن زرع الغرب والشرق كيانه الشر المطلق في هذه المنطقة منذ 78 سنة وهو يعتدي ويرتكب المجازر ويغزو ويجتاح ويحتلّ ويقتل ويدمّر ويمحو قرىً عن”بِكرة أبيها”، ولم يلتزم يوماً بعهدٍ أو اتفاق أو ميثاق أو قرار.
هذا العدو لا يريد السلام لأنه عدو السلام والإنسانية، ولن يقبل إلّا بالاستسلام الغير مشروط مع أيّ دولة عربية أو إسلامية، مدعوماً من أميركا بكلّ عهود الرؤساء والإدارات الأميركية التي تعاقبت في الولايات المتحدة، وأنّ الشعبين الفلسطيني واللبناني يعرفان إرهابه وإجرامه ودمويته في كلّ حروبه عليهما وعلى غيرهما منذ سنة 1948 لغاية اليوم.
من حق الشعب اللبناني أن يسأل، ماذا حقّق لبنان في ثلاثة اجتماعات عقدها مباشرة مع الوفد الإسرائيلي في واشنطن، سوى المزيد من العدوان والقتل والتدمير في حرب إبادة حقيقية له ولشعبه؟ وعن ماذا تمخّضت هذه الاجتماعات أو المفاوضات برعاية أميركية في جولتها الثالثة، سوى أنها أنجبت مولوداً مشوّهاً تمّت تسميته زوراً تمديد الهدنة ووقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً إضافياً، وكأنها تُعطي مهلة إضافية ليستكمل هذا العدو حربه المتوحشة على لبنان، وارتكاب المزيد من المجازر بحق المدنيين وتدمير البيوت عليهم وتحويلها إلى مقابر جماعية، وإبادة القرى ونسف بيوتها وجرفها ومسحها عن الأرض وحرق حقولها وزرعها وضرعها وتهجير ما تبقى من سكانها؟
هذا العدو وقبل أن يجفّ حبر بيان وزارة الخارجية الأميركية بعد الجولة الثالثة من المفاوضات، شنّت طائراته الحربية عشرات الغارات على عشرات القرى في مناطق النبطية والزهراني وصور، وتوجيه الإنذارات والتهديدات للأهالي في عدد من القرى في منطقة الزهراني وغيرها بإخلاء بلداتهم وبيوتهم.
نسأل السلطة السياسية الحاكمة في لبنان، عن أيّ إيجابية أو إنجاز حققه وفدها المفاوض في واشنطن، هل بتمديد الهدنة المشبوهة والملغومة التي تخفي في تفاصيلها خطراً إسرائيلياً جدياً على لبنان الدولة والشعب والمصير؟ وأين هو وقف إطلاق النار الموعود؟ ولماذا الاستهتار باللبنانيين والنازحين تحديداً والتلاعب بأعصابهم و”تفليت المصادر” من كلّ حدب وصوب لإطلاق الوعود بأنّ وقفاً لإطلاق النار سيكون بعد 24 ساعة أو خلال 48 ساعة، وكأنها عن قصد أو من دونه قدّمت للإسرائيلي في ما يُسمّى بمفاوضات السلام، ما عجز عن تحقيقه في كلّ حروبه الهمجية على لبنان.
من حق الشعب اللبناني أن يسأل السلطة أيضاً ألا نستحقّ، ونحن الذين نأعاني كثيراً في نزوحناي وتشرّدنا وقهرنا، أن يخرج علينا أيّ مسؤول في هذه السلطة لإطلاع شعبه على حقيقة ما حصل في جولة المفاوضات الثالثة، وجدّية تمديد الهدنة ووقف إطلاق النار؟!
هذا الشعب الذي انتظر بفارغ الصبر وشدّة الألم معرفة مصيره، هل يبقى نازحاً تائهاً ضائعاً في بلاد الله، أم أن هذا الاتفاق مكتوب بالحبر السري وهو مجرد وهم وسراب كما غيره من الاتفاقات “الهدنوية”، مع هذا العدو الغادر والحاقد الذي يواصل حربه الاجرامية ضدّ اللبنانيين وخاصة الجنوبيين؟
على هذه السلطة أن تواجه شعبها بالحقيقة كاملة، وخاصة أنّ النازحين يتأهّبون للعودة الى قراهم وبيوتهم، وهي وحدها بصمتها القاتل تتحمّل مسؤولية تداعيات كلّ ما ينتج من مخاطر، إذا ما تركت النازحين يقرّرون مصيرهم لوحدهم ويقدّرون مفاعيل اتفاق الهدنة الممدّدة المزعومة التي تنذر بخطر كبير بل كارثي على النازحين العائدين، لأنهم أمام عدو يقتل ويدمر ويبيد القرى.
ومن حق الشعب اللبناني أيضاً أن ينتظر قراراً من الجهات السياسية والحزبية لدعوته إلى البقاء حيث هو في نزوحه أو بالعودة إلى قراه وبيوته بناء على ما تم الاتفاق عليه لجهة تمديد الهدنة.
ومن حق شعب الجنوب الذي يواجه العدو الإسرائيلي وحيداً ويدفع الأثمان الباهظة من الدماء والأرواح والأرزاق ومعاناة الصمود والنزوح، أن يسأل أيضاً وأيضاً عن الحلفاء والأصدقاء والأشقاء من العرب والمسلمين مما يتعرّض له من حرب إبادة، وهل نسيَ هؤلاء أو تناسوا أنّ معظم الشعب اللبناني كان يدين ويستنكر ويتظاهر ضدّ أيّ عدوان يستهدفهم، من اليمن إلى حلف بغداد إلى العدوان الثلاثي على مصر إلى حرب حزيران إلى كلّ اتفاقيات ومعاهدات السلام المشبوهة، إلى استهداف الثورة الفلسطينية وحرب الإبادة على غزة، وآخرها العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران وغيرها مما يضيق المجال لذكرها.
ألا يستحق هذا الشعب الذي يُقتل وتُدمّر قراه وبيوته ويهجّر حتى إلى موقف إدانة للعدو الإسرائيلي الغازي والمحتلّ ومغتصب الحقوق ومرتكب المجازر، أو إلى تظاهرة شعبية واحدة في أيّ عاصمة عربية أو إسلامية للتنديد بالحرب الإسرائيلية على لبنان وشعبه المسالم.
يبقى القول، إنّ لبنان لن يُسلّم رأسه لمقصلة “السلام” المزعوم مع عدو السلام الحقيقي ومَن يدعمه…