تُركّز الصحافية الأميركية المتخصصة بالمجال التقني بارمي أولسون، في كتابها "عصر الهيمنة.. الذكاء الاصطناعي وتشات جي بي تي والصراع الذي سيغير العالم" (آفاق، القاهرة، ترجمة مصطفى العدوي، 2026) على شخصيتين محوريتين في عالم الذكاء الاصطناعي: سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، وديميس هاسابيس، مؤسس ديب مايند. وتوضح كيف بدأ كلاهما بمشاريع تحمل وعودًا أخلاقية وطموحات لخدمة البشرية، قبل أن يجدا نفسيهما تدريجيًا داخل منظومة اقتصادية ضخمة تحكمها المصالح المالية والسباق نحو الهيمنة التقنية. ومن خلال تتبع مسيرتهما، تكشف أولسون كيف يمكن للطموحات المثالية أن تتغير عندما تتداخل السلطة والمال والتنافس العالمي.
يقدّم الكتاب قراءة معمقة لكيفية تحوّل الذكاء الاصطناعي من مشروع بحثي طموح إلى ساحة تنافس شرسة بين أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، وعلى رأسها Microsoft وGoogle. وتكمن أهميته في طرح أسئلة عميقة حول مستقبل الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي. فالكتاب يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة قادرة على التأثير في الاقتصاد وسوق العمل والعلاقات الاجتماعية وحتى مفهوم الحقيقة ذاته. وتشير المؤلفة إلى أن العديد من الوظائف والصناعات قد تصبح مهددة بسبب الأتمتة المتزايدة، في وقت لا تزال فيه الحكومات والمؤسسات التشريعية عاجزة عن مواكبة هذا التطور السريع.
كما يناقش الكتاب جانبًا خطيرًا يتعلق بالتحيزات الموجودة داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالنماذج اللغوية مثل ChatGPT تتعلم من البيانات المتاحة على الإنترنت، وهي بيانات تحمل بطبيعتها الكثير من التحيزات الاجتماعية والعرقية والجندرية. ونتيجة لذلك، قد تعيد هذه الأنظمة إنتاج الصور النمطية والأفكار التمييزية بشكل غير مباشر. هذا الجانب يكشف أن الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا بالكامل كما يعتقد البعض.
من أقوى أفكار الكتاب، تلك المتعلقة بالعلاقة العاطفية التي بدأ بعض البشر يطورونها مع روبوتات المحادثة. فالمؤلفة تعرض أمثلة لأشخاص أصبحوا يتعاملون مع هذه الأنظمة كأنها كائنات واعية تمتلك مشاعر وأحاسيس. وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات فلسفية ونفسية حول حدود العلاقة بين الإنسان والآلة، ومدى تأثير التكنولوجيا على طبيعة التواصل الإنساني مستقبلًا.
تحاول أولسون، رغم البعد التحذيري الذي يتخذه عملها، تقديم صورة متوازنة بين الإمكانات الهائلة لهذه التكنولوجيا والمخاطر التي قد تنتج من سوء استخدامها أو احتكارها من قبل شركات عملاقة ودول نافذة. فالتقنيات الذكية قد تسهم في تطوير الطب والتعليم والبحث العلمي، لكنها في المقابل قد تتحول إلى أدوات للرقابة والسيطرة والتلاعب بالمعلومات إذا غابت القوانين والضوابط الأخلاقية.
يتميز أسلوب بارمي أولسون بالوضوح والقدرة على تبسيط موضوع معقد للقارئ العادي، رغم أن كثرة التفاصيل التقنية وأسماء الشركات والشخصيات قد تجعل بعض الأجزاء ثقيلة أحيانًا. ومع ذلك، يبقى الكتاب مهمًا لكل من يريد فهم التغيرات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم بسبب الذكاء الاصطناعي.