خامنئي في مذكّراته.. ترجم سيد قطب وأحب الجواهري وحزِن لوفاة عبد الناصر

post-img

محمد عبد العزيز/العربي الجديد

كان للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي جلسات أسبوعية يتحدث فيها بالعربية، يعود فيها بذكرياته إلى تجارب السجن والمعتقلات والمنفى. وبدأ يُملي مذكراته عن حياته بالعربية، وراجع النص محمد علي آذرشب وصدرت بالعربية بعنوان "إن مع الصبر نصرًا" (مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي، بيروت، 2019)، وتقع في نحو 400 صفحة، وصدرت النسخة العربية قبل الفارسية، ما يدل على رغبته في مخاطبة العرب بها.

وُلد خامنئي الذي اغتيل في 28 فبراير/ شباط الماضي؛ مطلع الحرب الأخيرة، في مدينة مشهد بإيران عام 1939، في قلب الحرب العالمية الثانية. عاش والده حياة الفقر، فقد كان يبيع أحيانًا كُتبه رغم ولعه بها. أمَّا والدته فقد وُلدت في النجف، وكانت لهجتها عربية، وكانت تُحِبّ ديوان حافظ الشيرازي وتحفظ أشعاره.

يتضح من المذكرات ولع المرشد بتعلُّم اللغة العربية مبكرًا، فقد زار بغداد وجلس في مقهى مزدحم، وأشعل سيجارته مع كوب شاي حتى يتحدث العربية بعيدًا عن الأماكن الدينية التي يعرف أهلها الفارسية. وفي عام 1960 في قُم، كان يتردّد على الشيخ الكرمي (من علماء خوزستان) لمطالعة الكتب، وقرأ كتابات جبران خليل جبران، وترجم كتابه "دمعة وابتسامة"، وهو أول أعماله في النقل من العربية إلى الفارسية.

المرشد وسيد قطب

ترجم علي خامنئي بعد ذلك كتبًا لمحمد قطب وسيد قطب، وكان أكثر ذلك داخل زنزانات السجون، فترجم كتاب "شبهات حول الإسلام" لمحمد قطب، وترجم كتاب "المستقبل لهذا الدين" لسيد قطب، وأثار هذا الكتاب موضوعات كثيرة في ذهنه للتفكير والبحث، وأزعج هذا جهاز السافاك، وهو الجهاز الأمني في عهد الشاه. وترجم كذلك "الإسلام ومشكلات الحضارة" لسيد قطب وهو في السجن، رغم أنه كان في حالة من الضجر الشديد بسبب طول البقاء في زنزانة صغيرة مظلمة تسودها حالة الرتابة والتكرار. وبقي الكتاب ناقصًا حتى أيام السجن الرابع حتى أكمل الترجمة، وهكذا بدأ العمل على الكتاب في سجن وانتهى في سجن آخر.

ترجم كذلك الجزء الأول من كتاب سيد قطب "في ظلال القرآن"، بسبب ظروفه المالية الصعبة، وحصل على 2500 تومان مقابل الترجمة، وتفاعل مع الكتاب بشدة، وترجمه بكل مشاعره كما يذكر في سيرته. ذكر في مقدمة ترجمته كتاب سيد قطب "المستقبل لهذا الدين": "لقد حاولنا خلال ترجمة الكتاب أن ننقل آراء المؤلف بشكل كامل، ولكننا لا نتفق مع إشادة المؤلف بشخص معيّن". والمقصود الخليفة الأول أبو بكر. وفي ترجمته الفارسية، استخدم خامنئي مصطلح "رفيق السفر" لوصف أبي بكر بدلًا من مصطلح "صحابي"، المتعارف عليه، كما أغفل أيضًا الترضّي عليه.

يُظهر هذا الموقف المعجب بكتابات سيد قطب لنا في المذكرات موقفًا آخر يبدو متناقضًا لديه، حيث يذكر حُبَّه جمال عبد الناصر، ففي أثناء اعتقال خامنئي سمع أحد العرفاء المسجونين ينادي في السجن: "البشارة.. البشارة.. مات عبد الناصر".

كان وقْع النبأ عليه مؤلمًا جدًا، وهنا يشير إلى مفارقةٍ عاشها مع الإسلاميين في إيران، وهي تعاطفهم الشديد مع سيد قطب وفكره الحركي، وتعاطفهم أيضًا مع قاتله جمال عبد الناصر. لقد بكى عند سماع خبر إعدام قطب، وبكى أيضًا لدى سماعه نبأ وفاة عبد الناصر. يشرح المرشد موقفه بأن اعتزازهم بعبد الناصر مَرَدُّه أسباب نفسية لا عقائدية، فقد اقترن اسمه في أذهانهم بعزة العرب وصمودهم ومقاومتهم أمام القوى الصهيونية والرجعية في المنطقة، رغم أنهم كانوا يتألمون من نهجه الذي دفعه إلى الاصطدام بالإسلاميين.

المرشد والشعر العربي والجواهري

تعلَّق المرشد بالشعر العربي، وكان يُحِبُّ بيتًا كتبه الشاعر بشار بن برد، ويبدو أن ولع المرشد بمشاهد الحروب والسيوف قديم منذ شبابه. قرأ "الأغاني" للأصفهاني بأجمعه، وتعرَّف إلى المتنبي وأبي تمام، وتجمَّعت لديه مقتطفات من الكتاب. لم يستهوِه الأدب العربي المعاصر بأجمعه، بل وجد في بعضه ما يسيء إلى الذوق العربي واللغة العربية من وجهة نظره في المذكرات، ولذلك راح يبحث عن ذلك الأدب الذي ينسجم مع ما نشأ عليه من تذوُّق اللغة العربية، ويستند إلى أصالة في اللغة والأسلوب. ووجد ضالّته في شعر الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، ووصفه بأنه "يتمتع بالأصالة في التعبير العربي"، بحُكم نشأته الأدبية والدينية الأصيلة في عائلة الجواهري، وفي بيئة النجف الدينية الأدبية. ويمتاز أيضًا بتفاعل شعره مع آلام الجماهير وآمالها، كما أنه يتميز بتسجيل مواقف شجاعة تحدّى فيها الحكّام الظالمين، وتعرّض بسببها للاعتقالات والسجون.

تعرَّف علي خامنئي إلى أستاذه آية الله الخميني في قاعة الدرس، وكان الأخير يميل إلى الصمت، قبل أن يعلن معارضته الشاه محمد رضا بهلوي، ويتعجب خامنئي من صمت أستاذه، فقد بدا له لاحقًا أنه كان يغلي كالمرجل، ومع ذلك كان ساكتًا.

سنوات السجن

اعتُقل خامنئي ست مرّات، ونُفي مرة، واستُدعي مرات كثيرة إلى مقر السافاك، وحقَّق معه ذات مرة أحد أصدقاء طفولته، وفي السجن حمل مصحفًا ومسبحة وكراسًا للقصائد القصيرة وكتاب "تذكرة المتقين". وفي السجن، قرأ القرآن بلكنة عربية، فظهر له عرب مُعتقَلون كانوا ينتمون إلى تنظيم جبهة التحرير العربية. كان وراء التنظيم جمال عبد الناصر، ثم تبنَّاه البعثيون العراقيون، وكانوا ضد الثورة الإسلامية. وفي السجن، تعرف إلى عربيٍّ اسمه آل ناصر الكعبي، كما تعرف إلى الشيخ عيسى، وقد أعدمهما نظام الشاه في السجن.

شارك خامنئي الزنازين مع نشطاء شيوعيين، وأصبح صديقًا لهم، وأُعجب بعلي شريعتي، وكانت تربطه علاقات وثيقة بعائلته، وقرأ أيضًا لمفكرين مناهضين للإمبريالية، بمن في ذلك فرانز فانون، وأدب العالم الثالث في حقبة الستينيات. قرأ خامنئي وترجم انتقادات مناهضة للغرب، لمفكرين إسلاميين نهضويين، مثل محمد إقبال، من الهند وباكستان، بالإضافة إلى المنشورات الأيديولوجية للمفكرين الإسلاميين السُّنَّة، سيما زعيمَي جماعة الإخوان المسلمين المصرية حسن البنا وسيد قطب.

مذكرات من دون مراجعات

أنقذ خامنئي العضو السابق في حزب تودِه الشيوعي هوشنغ أسدي، من الإعدام عبر وساطة من زوجة السجين للمرشد الذي أخرجه من السجن، ليصبح معارضًا لإيران في المنفى. يُحيلنا هذا إلى جوهر مذكرات خامنئي، حيث تلعب كل مذكرات سياسية على تقديم سردية ومرافعة سياسية مبطنة لتبرير الدور والحضور. أراد خامنئي من هذه المذكرات تقديم صورة مثالية عن شبابه، يجمع بين نضاله وكفاحه السياسي وحبه العربية واهتمامه بها. عاش خامنئي سنواته الأولى في قلق وملاحقة من جنود الشاه. قال مرة لهاشمي رفسنجاني بعد انتصار الثورة في إيران: "لم يخلُ يوم واحد من أيام حياتنا خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية من مقاومة النظام، ولم أنَم ليلة من دون قلق، خوفًا من السجن أو المنفى"، فردَّ هاشمي: "أنا أيضًا مثلك".

مدار المذكرات عن كفاح سنوات الثورة على الشاه، ولا تسرد ما حدث بعد انتصار الخميني وطرد الشاه، كأنه كتبها لكسب تعاطف القراء العرب مع مرحلته النضالية. ويعكس هذا الصمت عن سنوات المسؤولية السياسية وقيامه على ملفات مهمة رغبته في عدم فتح باب السجال والنقد، والتوقف عن نقد دوره بعد انتصار الثورة، فلا حديث عن دهاليز الحكم في إيران أو الحرب العراقية-الإيرانية، أو مهام الحكم أو جردة محاسبة للمرحلة السياسية التي قاد فيها إيران. لعل هذا قد يُفقِده تعاطف القارئ بعد أن حزن عليه، وهو في المعتقلات شابًّا نحيلًا لا يكاد يعرفه ابنه بسبب السجن.

رغم كل ما تعرَّض له المرشد في السجون، لا نرى هذه الحساسية من سجن المعارضين بعد انتصار الثورة الإسلامية واستخدام العنف في قمع المظاهرات، رغم أنه اكتوى بهذه الممارسات زمن الشاه. ومع حلول نهاية تسعينيات القرن العشرين، أصبح خامنئي كما وصفه الصحافي الإصلاحي أكبر غانجي، مستعيرًا من ماكس ڤيبِر "سلطان العصر الحديث"، زعيمًا مطلق السلطة، غير منتخب، وغير خاضع للمحاسبة، وهي أسئلة مفتوحة لتأمُّل تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتجربة المرشد التي امتدت أكثر من ثلاثة عقود.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد