رماح إسماعيل (صحيفة الأخبار)
تتشابه حكاية الجنوبين السوري واللبناني، فالمحتل لهاتين المنطقتين هو نفسه. من جهة يعتبر الكيان أنّ «الجليل الأعلى»، أي جنوب لبنان، هو جزء من أراضيه الموعودة، ومن جهة ثانية يعتبر أنّ دمشق هي حدود مدينة القدس، كما صرّح وزير مالية الكيان بتسلئيل سموتريتش. وهكذا تتحوّل القرية الموجودة في طرف الدولة إلى مشروع «مستوطنة» بنظر المحتل، ومعها تتحوّل الحياة الريفية البسيطة إلى نضال يومي في سبيل إنقاذ الأرض والدفاع عن الهوية، ما يعني أنّ المواطن الجنوبي، سواء أكان سورياً أم لبنانياً، أكثر من يستحق أن «يدخل التاريخ».
لطالما وجد الجنوبيون أنفسهم داخل معادلة صعبة، لأنّ الهموم المتأتية من «مجاورة الشيطان» لا تشبه همّ المواطن في المدن مثل بيروت أو دمشق. والآن، وفي ظل ما تشهده المنطقة من تغيّرات وتبدّلات في موازين القوة، بات المشهد في جنوب سوريا مطابقاً للمشهد في جنوب لبنان. الاحتلال الإسرائيلي آخذ في التوسّع، يقضم من محافظة القنيطرة، ويتوغّل بقواته إلى مناطق أبعد، مثل ريف درعا، فإحكام السيطرة على هاتين المحافظتين يسمح له بفتح طريق نحو السويداء، وبذلك يصبح الجنوب السوري «أراضيَ إسرائيلية محتلة»، بكل ما فيها من خيرات ومياه.
ولكنّ الأطماع الإسرائيلية ليست وحدها ما يشترك فيه الجنوبان، إنما أيضاً فطرة الدفاع عن الأرض، فالمقاومة فعل عابر للحدود، ورد فعل طبيعي لكل إنسان تُسلب منه حريته وأمانه وممتلكاته. هنا تشير الأحداث المتواترة إلى أنّ أهالي القنيطرة ودرعا يفتحون اليوم صفحة جديدة في التاريخ المقاوم، ولو لم تخدمهم وسائل الإعلام في نقل الصورة كما يجب.
في هذا المجال، تواصلت «الأخبار» مع عدد من سكان قرى ريفَي القنيطرة الجنوبي ودرعا الغربي. فهذه القرى ترزح تحت احتلال إسرائيلي غير مُعلن، يقاسي أهلها بطش دورياته التي تُقدِم على اقتحام البيوت وترهيب أهلها واعتقال شبانها بتهمة «الإرهاب» وبذريعة التجسّس لصالح فصائل المقاومة، كما أن الفلاحين فيها لم يسلموا من ممارسات الاحتلال الذي يصادر محاصيلهم ومساحاتهم المزروعة دون حسيب أو رقيب.
أكثر من 50 شاباً من قرى ريف القنيطرة الجنوبي اعتقلتهم قوات الاحتلال بذرائع مختلفة، جلّهم من رعاة الأغنام الذين يسرحون بقطعانهم في أراضيهم، فيتم أسرهم بتهمة الاقتراب من دوريات الاحتلال. ولأن هؤلاء الشبان ليسوا أرقاماً، تنظّم عائلاتهم وقفات احتجاجية أمام المراكز الأممية للمطالبة بالكشف عن مصيرهم ومعرفة أخبارهم.
محمد أحد الرعاة المعتقلين، فُقد عندما وجدت عائلته قطيع أغنامه يرعى وحده في الأرض من دون الراعي. وحين حاولت العائلة السؤال عن ابنها، أجابتهم دورية للاحتلال بأنه «جاسوس»، وأن «إسرائيل اعتقلته للتحقيق معه». واليوم، بعد مضي أكثر من خمسة أشهر على اعتقاله، لم تردهم أي أخبار عنه، ولم تساعدهم أي جهة حكومية أو أممية في الكشف عن مصيره.
تقول والدة محمد إنها «تنتظر عودته يومياً إلى زوجته وبناته»، وتؤكد لـ«الأخبار» أن «ابنها يرعى أغنامه بشكل يومي في قريته الواقعة في ريف القنيطرة الجنوبي، ولا ارتباطات له بأي جهة عسكرية أو فصيل مقاوم كما يزعم الاحتلال». وحالة محمد جعلت الرعاة والفلاحين في قريته لا يخرجون لمزاولة أعمالهم وتحصيل أرزاقهم، ومن يضطر منهم للخروج تنتظر عائلته عودته بكثير من الخوف والقلق، لأن من تأخذه إسرائيل «لا يعود»، وفق والدة الأسير.
في ريف القنيطرة أيضاً، المحاذي للمنطقة العازلة مع الاحتلال، يخشى الأهالي من مشاريع استيطانية قد تُمرَّر بـ«نعومة»، من دون أن تتحوّل إلى قضية اغتصاب أراضٍ من أصحابها، كما جرى في فلسطين المحتلة على مدار عقود. فينام الجنوبيون في سوريا على واقع ويستفيقون على آخر، يقول ياسر المقيم في ريف القنيطرة، ويروي قصص اقتحام مدنيين إسرائيليين لبعض الأراضي المحاذية للمنطقة العازلة، مؤكداً أن «هذه التحركات ليست عبثية»، إنما «هي استكشاف للمناطق لإقامة بؤر استيطانية، خاصة أن المقتحمين ينتمون إلى خلفيات دينية متشدّدة، ولا بد أنهم سيجدون ذريعة للقول إن هذه الأراضي من حقهم التاريخي، ويجب أن يتمدّدوا إليها ويسكنوها».
لذا، يُجمِع الأهالي الذين تواصلت معهم «الأخبار» على ضرورة تدخل الدولة السورية بغية «إيقاف البلطجة الإسرائيلية جنوباً». بالنسبة إليهم «عدم مقاومة هذا المحتل سيجعل من الجنوب السوري لقمة سائغة له، يدخلها متى يشاء ويحتل منها ما يشاء». ويؤكدون أن «سكوت الأهالي مؤقّت ريثما تتضح معالم المرحلة المقبلة، آملين أن تتم صياغة اتفاق مع الاحتلال يعيد الحدود إلى ما كانت عليه سابقاً، لا أن تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، وتلتهم إسرائيل محافظات الجنوب دون ردّ يُذكر».
أمّا في قرية «معرية» في ريف درعا، والتي شهدت أخيراً إطلاق نار من قبل الأهالي على دورية للاحتلال، قوبل برصاص كثيف من قبل دورياته، فيقول سالم إن ما جرى هو البداية، ولعل ذلك سيكون النهج المقبل لأبناء الجنوب السوري في مواجهة الاحتلال، مستشهداً بأحداث بلدة بيت جن بريف دمشق، حين اشتبك الأهالي مع الجنود الإسرائيليين.
ويعبّر سالم عن استيائه من استغراب الكثيرين لأي فعل مقاوم يصدر عن أهالي الجنوب السوري، قائلاً إن «الشعب السوري مقاوم بالفطرة، محبٌّ للأرض حتى الممات، ولا يفرّط في ذرة تراب واحدة ورثها عن أجداده».