عيد المقاومة والتحرير… كابوس المطبّعين وذاكرة المنتصرين

post-img

عباس المعلم (صحيفة البناء)

في لبنان، لا تُقاس قيمة المقاومة بمرحلةٍ عابرة من العدوان، ولا يُختصر معنى التحرير بتبدّل موازين القوة أو عودة الاحتلال إلى بعض النقاط والقرى تحت غطاء النار الأميركية والغربية. فهناك من يحاول اليوم، عن سابق قصدٍ سياسي وأيديولوجي، مقاربة عيد المقاومة والتحرير من زاوية المشهد الراهن فقط، وكأنّ التاريخ يبدأ من اللحظة التي تناسبه وينتهي عند العقدة التي يريد تعميمها على الوعي اللبناني والعربي. ومن هنا ارتفعت أصوات تدعو، بوقاحة سياسية غير مسبوقة، إلى إلغاء هذا العيد الوطني والقومي، أو تفريغه من مضمونه وتحويله إلى مناسبة باردة خالية من أيّ معنى سيادي أو تحرري.

ولم يكن ما صدر عن رئيس الحكومة نواف سلام سوى نموذج واضح لهذا المسار؛ إذ جرى الالتفاف على جوهر المناسبة عبر مذكرة دعت إلى الإقفال تحت عنوان “التضامن مع الشهداء والجرحى”، في محاولةٍ مموّهة لضرب رمزية التحرير نفسه، وفصل التضحيات عن نتيجتها التاريخية الكبرى. وكأنّ المطلوب شطب ذاكرة اللبنانيين، وإلغاء حقيقة أنّ المقاومة، بكلّ فصائلها وتياراتها، هي التي صنعت فجر الخامس والعشرين من أيار عام 2000، يوم أُجبر الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية بلا قيد ولا شرط، في أول تحرير كامل لأرض عربية بالقوة والمقاومة، لا بالتفاوض ولا بالاستجداء السياسي.

إنّ الذين يحاولون اليوم التقليل من قيمة التحرير عام 2000 بسبب استمرار العدوان الإسرائيلي أو عودة الاحتلال إلى أجزاء من الجنوب، يتجاهلون عمداً أنّ هذا الواقع بحدّ ذاته يُثبت صوابية خيار المقاومة ولا ينفيه. فـ “إسرائيل”، التي لم تتوقف يوماً عن الاعتداء والاغتيال والحصار والتوسع، هي ذاتها التي اجتاحت بيروت عام 1982، واحتلت الجنوب لعقود، وكانت تراهن على تحويل لبنان إلى ساحة خاضعة بالكامل لمشروعها الأمني والسياسي. ولولا المقاومة، لما خرج هذا الاحتلال أصلاً، ولما سقط ما كان يُسمّى “الشريط الحدودي”، ولما انهارت منظومة العملاء التي كانت تحكم الجنوب بالنار والتعذيب والخوف.

ثم بأي منطق يُطلب من اللبنانيين التشكيك بعيد التحرير لأنّ الاحتلال عاد ليعتدي؟ وهل يُلغى عيد الاستقلال لأنّ لبنان تعرّض بعد عام 1943 للاجتياحات والحروب والوصايات الخارجية ومصادرة قراره السياسي؟ وإذا كان منطق هؤلاء صحيحاً، فلماذا لا تُلغى كلّ الأعياد الوطنية في العالم التي تعرّضت شعوبها لاحقاً لاحتلالات أو حروب جديدة؟ الحقيقة أنّ هذا المنطق ليس قراءة سياسية، بل محاولة انتقامية من فكرة المقاومة نفسها، لأنّ أصحاب هذا الخطاب كانوا تاريخياً ضدّ كلّ مشروع تحرري، ومؤيدين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر للتطبيع والانخراط في المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة، حتى ولو كان الثمن سيادة أوطانهم وكرامة شعوبهم.

وما يجري اليوم من عدوان إسرائيلي متواصل على لبنان، ومن احتلال لأجزاء من أرضه، ومن استباحة لأجوائه وحدوده وقراره، لا يُضعف معنى عيد المقاومة والتحرير، بل يمنحه بعداً أكثر حضوراً وإلحاحاً. فهو يكشف مجدداً أنّ هذاالكيان لا يعترف بسيادة لبنان ولا بحق شعبه بالحياة الحرة، وأنّ أطماعه لم تكن يوماً مرتبطة بظرف أمني عابر، بل بعقيدة توسعية تعتبر لبنان ساحة مفتوحة للهيمنة والابتزاز والإخضاع.

ولهذا تحديداً، يصبح الاحتفال بعيد المقاومة والتحرير ضرورة وطنية وسيادية وأخلاقية، لا مجرد مناسبة رمزية. لأنّ التجربة أثبتت، بالوقائع لا بالشعارات، أنّ المقاومة وحدها هي التي أجبرت الاحتلال على الانكفاء، وهي التي صنعت معادلات الردع، وهي التي منعت تحويل لبنان إلى مستعمرة أمنية تابعة لـ “إسرائيل”. أما الذين راهنوا دائماً على الخارج، فلم ينتج مشروعهم سوى الارتهان والانقسام والانكسار.

إنّ تحرير عام 2000 لم يكن حدثاً عابراً في تاريخ لبنان، بل لحظة مفصلية غيّرت صورة المنطقة بأكملها، وأسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وفتحت الباب أمام ثقافة عربية جديدة عنوانها أنّ الاحتلال يمكن أن يُهزم، وأنّ الإرادة الشعبية حين تقترن بالتضحية والصمود قادرة على صناعة التحوّلات الكبرى مهما بلغت وحشية القوة المقابلة. ولذلك سيبقى الخامس والعشرون من أيار عيداً للمقاومة، وعيداً للتحرير، وعيداً للكرامة الوطنية، مهما حاول البعض تشويهه أو دفنه تحت ضجيج السياسة والانقسام والتحريض.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد