ما بعد انكشاف الخليج..أي أفق للمستقبل؟

post-img

معتز منصور/كاتب وباحث سياسي

لم تكن تصريحات دونالد ترامب الأخيرة عن ضرورة انضمام مزيد من الدول العربية إلى "اتفاقيات "إبراهام" مجرد موقف دعائي عابر أو إعادة تسويق لمسار التطبيع بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا. ما تكشفه تلك التصريحات، في توقيتها الحالي، بعد الحرب الأمريكية - الإسرائيلية الأخيرة على إيران، أنّ واشنطن و"تل أبيب" لا تنظران إلى التطبيع بكونه مسارًا سياسيًا منفصلاً، إنّما لكونه جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة الإقليم أمنيًا واستراتيجيًا، على قاعدة دمج "إسرائيل" في بنية المنطقة بوصفها مركز القوة والحماية والقيادة، لا مجرد دولة طبيعية داخل منطقة شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط).

للمفارقة؛ أنّ هذه الدعوات جاءت في اللحظة نفسها التي كشفت فيها الحرب حدود الحماية الأمريكية ذاتها وحدود قدرة "إسرائيل" على إنتاج الاستقرار، لا العكس. إذ بدلاً من أن تؤدي الحرب إلى مراجعة فكرة الارتهان الأمني للخارج، بدا وكأن المطلوب هو تعميق هذا الارتهان بنقل المنطقة من مرحلة التحالف مع واشنطن إلى مرحلة الاندماج داخل المنظومة الإسرائيلية الأمريكية؛ بوصفها الإطار الجديد للأمن الإقليمي.

ليست المشكلة الحقيقية التي كشفتها الحرب أنّ الخليج أصبح مهددًا بالصواريخ والمسيّرات، فهذه حقيقة كانت معروفة منذ سنوات، على الرغم من طبقات الحماية الأمريكية كلها وصفقات السلاح الفلكية ومنظومات الدفاع المتطورة. المشكلة الأعمق أنّ الحرب كشفت حدود النموذج الخليجي نفسه وحدود قدرته على تحويل الثروة إلى قوة، والحماية الخارجية إلى أمن مستدام، والتطبيع إلى استقرار إقليمي.

في لحظة واحدة تقريبًا، بدا الخليج وكأنه يكتشف فجأة أنّ النظام الذي أُنفقت عليه مئات المليارات لم يكن مصممًا لحماية المنطقة بقدر ما كان مصممًا لإدارة هشاشتها، وأنّ واشنطن التي باعت الجميع وهم "المظلة الأمنية"؛ لا ترى في المنطقة سوى مجال نفوذ قابل لإعادة الهيكلة وفقًا لضرورات الصراع الأمريكي مع القوى الدولية والإقليمية، لا لاحتياجات الأمن العربي أو الخليجي.

أمام هذه الواقع بالتحديد؛ سقطت "لحظة الخليج" بوصفها لحظة صعود سياسي؛ اعتقدت خلالها بعض العواصم الخليجية أنّ فائض المال والطاقة والعلاقات الغربية يمكن أن يتحول إلى مركز قيادة إقليمي جديد، قادر على إعادة تشكيل المنطقة وتحديد اتجاهاتها السياسية والأمنية. غير أنّ الحرب على إيران كشفت أنّ امتلاك الثروة شيء، وامتلاك القدرة التاريخية على إنتاج توازنات مستقرة شيء آخر مختلف تمامًا.

خلال العقد الأخير، تصرفت بعض القوى الخليجية على قاعدة أنّ البيئة العربية المنهكة، بعد موجات الانهيار والحروب الأهلية، تمثل فرصة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي. تدفقت الأموال على شبكات النفوذ والمليشيات والتحالفات الهشة، وتحولت بعض ساحات المنطقة إلى ميادين تنافس مفتوح بين مشاريع خليجية متعارضة، في حين كانت واشنطن تشجع هذا المسار بوصفه جزءًا من إعادة هندسة "الشرق الأوسط" على قاعدة التفكيك لا الاستقرار.

لكن ما لم تدركه هذه القوى أنّ النظام الإقليمي لا يمكن قيادته بمنطق الريع وحده، ولا بمنطق القوة الإعلامية والعلاقات العامة، ولا حتى بالتطبيع مع "إسرائيل". إذ إن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم الإنفاق، بل بقدرة الدولة على إنتاج عمق استراتيجي وتماسك مجتمعي وقاعدة ديموغرافية وهوية سياسية واستقلال نسبي في القرار الأمني والعسكري.

لهذا بدت الحرب الأخيرة صادمة. إذ اكتشف الخليج أنّ الولايات المتحدة، والتي تملأ المنطقة بالقواعد العسكرية، لم تكن مستعدة للدخول في مواجهة شاملة من أجل حماية أحد، وأنّ "إسرائيل" التي قدّمت بوصفها بوابة التكنولوجيا والأمن والاستقرار، تحولت عمليًا إلى مصدر استنزاف وفوضى وإعادة تفجير للمنطقة بأكملها.

 إنّ أخطر ما كشفته الحرب أنّ "إسرائي"ل لم تعد تتحرك ضمن منطق "التطبيع مقابل السلام"، بل ضمن مشروع أوسع لإعادة إنتاج الهيمنة الإقليمية بالقوة المباشرة. إذ إنّ غزة لم تعد مجرد حرب على المقاومة، ولبنان لم يعد مجرد ساحة ضغط على حزب الله، وسوريا لم تعد مجرد ملف حدودي، وإيران لم تعد مجرد خصم بعيد. نحن أمام مشروع متكامل يسعى إلى تفكيك مراكز القوة المحيطة بــ"إسرائيل" وتحويل المنطقة إلى فضاء أمني تابع تتحكّم "تل أبيب" بإيقاعاته العسكرية والسياسية والاقتصادية.

لذلك؛ يصبح الضغط على السعودية، تحديدًا، مفهومًا ضمن هذا السياق. إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بالتطبيع، أيضًا بإعادة تحديد موقع المملكة داخل النظام الإقليمي القادم. واشنطن و"تل أبيب" تدركان أنّ السعودية ليست مجرد دولة نفطية، هي عقدة جغرافية وروحية وسياسية، وأي مشروع هيمنة إقليمي لا يمكن أن يكتمل من دون تحييدها أو دمجها داخل ترتيباته الكبرى.

لكن المعضلة السعودية أكثر تعقيدًا مما يبدو. هذا أن المملكة تدرك من جهة أنّ الانخراط الكامل في مشروع الهيمنة الإسرائيلي قد يفتح أبواب انفجار إقليمي طويل المدى، ويضعها في مواجهة مع بيئتها العربية والإسلامية. لكنها تدرك، من جهة أخرى، أنّ استمرار الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية لم يعد ضمانة أكيدة، بعد ما كشفته الحرب الأخيرة من حدود الالتزام الأمريكي.

لهذا بدأت تظهر ببطء ملامح مراجعات خليجية حذرة، عنوانها البحث عن صيغ أمن إقليمي أقل ارتهانا للخارج. الحديث عن اتفاقات عدم اعتداء مع إيران والانفتاح المتزايد على التهدئة ومحاولات تنويع الشراكات الدولية، ليست مجرد تحركات تكتيكية عابرة، هي مؤشرات أولية على إدراك متصاعد بأنّ مرحلة ما بعد الحرب لن تشبه ما قبلها.

غير أنّ المشكلة الأعمق ما تزال قائمة. إذ لا يمكن بناء أمن إقليمي مستقر طالما بقيت المنطقة محكومة بمنطق المحاور المتصارعة، أو بسياسات التدخل المتبادل، أو بتحويل الانقسامات المذهبية والعرقية إلى أدوات نفوذ سياسي. ذلك أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج، بل ببناء توازنات إقليمية تعترف بمصالح الجميع، وتمنع في الوقت نفسه تحوّل أي قوة إلى مركز هيمنة مطلق.

مع هذه الحال؛ تبدو المفارقة شديدة القسوة؛ فإيران التي صوّرت، على مدى سنوات، بوصفها الخطر الوحيد على الخليج، تحولت في نظر قطاعات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية إلى قوة اشتباك مع "إسرائيل". هذا ليس حبا بالمشروع الإيراني بالضرورة، إنما بسبب الفراغ العربي الهائل والانهيار شبه الكامل لفكرة المواجهة العربية مع المشروع الإسرائيلي.

هذه الحقيقة تحديدًا تفسر التوتر داخل بعض البيئات الخليجية إزاء أي تعاطف شعبي مع إيران، خلال الحرب الأخيرة. ذلك؛ لأنّ الأزمة لم تعد فقط في الصواريخ أو الحسابات العسكرية، هي في المعنى السياسي والأخلاقي للصراع داخل الوعي الشعبي العربي والإسلامي، حيث تبدو "إسرائيل" بالنسبة إلى غالبية هذه المجتمعات الخطر الأكثر مباشرة واستمرارية، بصرف النظر عن الخلافات مع إيران.

المشكلة أنّ بعض النخب الخليجية ما تزال تتعامل مع المنطقة بعقلية فائض القوة القديمة، مع أنّ البيئة الاستراتيجية تغيّرت جذريًا. لم يعد ممكنًا شراء الاستقرار بالمال فقط، ولا حماية الأنظمة عبر القواعد الأجنبية وحدها، ولا إدارة المجال العربي بالإعلام والعلاقات العامة والدبلوماسية النفطية.

المنطقة تدخل، تدريجيًا، مرحلة جديدة عنوانها "تآكل اليقينيات القديمة". الولايات المتحدة لم تعد قادرة أو راغبة في تأدية دور الشرطي الكامل، و"إسرائيل" تحاول ملء الفراغ بالهيمنة المباشرة، وإيران على الرغم من الضغوط ما تزال تحتفظ بقدرة عالية على الاشتباك والاستنزاف، في حين تعيش الدول العربية الكبرى إنهاكًا مزمنًا تجعل النظام الإقليمي كله معلقًا على توازنات شديدة الهشاشة.

في هذا السياق؛ لا يعود السؤال الحقيقي: هل انتصر الخليج أم إيران في الحرب الأخيرة؟ إنما يصبح السؤال الأهم: أي نموذج إقليمي يمكنه البقاء في السنوات القادمة؟ هل يستمر الخليج في الارتهان لمنظومة حماية أثبتت الحرب حدودها؟ أم يتجه نحو بناء ترتيبات أمنية جماعية أكثر استقلالا وتوازنا؟ هل يقبل بالاندماج داخل "شرق أوسط" تقوده إسرائيل أمنيًا؟ أم يحاول إنتاج معادلة إقليمية جديدة تشارك فيها القوى العربية والإسلامية الكبرى؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا...هي أسئلة بقاء تاريخي؛ لأنّ المنطقة التي فشلت طوال عقود في بناء أمن جماعي حقيقي، تجد نفسها اليوم أمام لحظة إعادة تشكل كبرى، قد تنتج نظامًا أكثر توازنًا، أو تدفع الجميع نحو انكشافات أعنف وأكثر خطورة في المستقبل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد