إيهاب شوقي/كاتب مصري
يتزامن الاحتفال بعيد المقاومة والتحرير لهذا العام مع معركة كبرى تخوضها المقاومة وجمهورها، وتشهد وعدًا بالتحرير الثالث، حيث فتحت المقاومة قوسًا لانتصاراتها ليضمّ تحريرًا ثانيًا وثالثًا، وما يستجد من تحرر جديد.
الوعد بالتحرير الثالث هو وعد صادق كبقية وعود المقاومة. هو يقف على قدمين راسختين، أولاهما تتمثل بتاريخ من الوعود الصادقة لا الشعارات الجوفاء، والثانية تتمثل بنتائج حقيقية وملموسة لا أحلام مؤجلة أو محالة إلى مستقبل قريب أو بعيد.
وعود المقاومة بالصمود والردع وإزالة آثار العدوان استندت إلى القوة والجهوزية والتضحيات وعدم الخضوع للفزاعات، ولا اللهث وراء المغريات.
كما نجحت المقاومة في إنجاز هدف التحرير فعليًا على الأرض، ودحرت العدو وعملاءه وأفسدت مخططات حيكت لكامل المنطقة وليس للبنان فقط. هذا يعني أنها قامت بدور تجاوز تكليفها، وبإنجاز أسطوري تجاوز سقف الطموحات، وحلّ محلّ جيوش المنطقة التي تخلت عن أدوارها في مواجهة مشروع "اسرائيل الكبرى"، والذي اتخذ مسميات تمهيدية عديدة، مثل: "الطوق النظيف" و"الشرق الأوسط الجديد"، إلى أن أعُلن صراحة ومن دون مواربات.
في معارك المقاومة جميعها، كانت البوصلة حاضرة ودقيقة، فلم تنحرف المقاومة نحو أهداف فرعية أو معارك جانبية. إذ شخّصت الصراع بدقة بالغة، وحددت العدو وفطنت إلى المؤامرات والحيل، ومتى يستخدم الأصيل، ومتى يستخدم الوكيل، ومتى يجب التدخل ومتى يجب التحلي بالصبر الاستراتيجي؟
لم تكن المقاومة لتحارب في معارك شخصية أو طائفية أو انفعالية، لقد كان قرارها دومًا ينبع من تشخيص دقيق للمصلحة، ووفقًا لقراءة معمقة للمراحل وطبيعتها وتبعا لمسار استراتيجي. لا تحدده توقيتات العدو، واحتفظت بخيارها الكربلائي إذا ما فرضت المواجهات فرضًا، ولم تكن هناك خيارات أخرى إلا المواجهة أو الاستسلام، وهيهات من المقاومة الاستسلام والذلة.
لقد كان التحرير الأول معركة وطنية حتمية لدحر الاحتلال وتحرير الوطن، وأصبح عيدًا قوميًا للبنان وعيدًا للأحرار جميعهم المؤمنين بالتحرر الوطني ومناهضة الاستعمار.
عندما أعاد العدو كرّته، في العام 2006، أثبتت المقاومة وعدها الصادق بالتحرير وخاضت ملاحم أسطورية لتفشل "مشروع الشرق الأوسط الجديد"، والذي اتخذ من لبنان منطلقًا بالقضاء على مقاومتها التي عرقلت مشروع العدو بعد أن اطمأن إلى تحييد الجيوش.
بعد فشل العدو الأصيل في حروبه مع المقاومة، لجأ إلى الحرب بالوكالة، عبر مشروع تكفيري أريد له أن يفتك بالدول القومية في المنطقة، ويفتتها ويفكك جيوشها ومجتمعاتها لمصلحة أجندة العدو الأمريكي والإسرائيلي، وأن يحتل لبنان لضمه إلى سوريا والعراق، بمعاونة لوجستية وتمويلية من العدو وأعداء المقاومة وخصومها في المنطقة.
ما حدث؛ أنه ما كان من المقاومة، والتي صبرت كثيرًا على الإساءة والتشويه ومحاولة جرها إلى حروب طائفية، أن قامت وانبرت لمواجهة المشروع التكفيري من دون الالتفات للفزاعات الطائفية والدعايات الخبيثة التي صوّرت الجماعات التكفيرية ممثلةً لمذهب في مقابل مذهب المقاومة؛ لحشد الأمة طائفيًا في عنوان خاطئ ومجافٍ للحقيقة.
لقد قامت المقاومة، بشجاعة كبرى، وبينت حقيقة الصراع وواجهت المشروع التكفيري، وأنقذت لبنان من الفتنة، وحرّرت جروده ومرتفعاته التي استخدمت منصةً للتوسع والاحتلال، ونجحت في تحريره من هذه الهجمة الاستعمارية المتوارية وراء الإرهاب التكفيري، وكان بحق تحريرًا ثانيًا، لا يقل في أهميته عن التحرير الأول.
اليوم، ونحن في أخطر محطات الاستهداف الصريح من الأصيل الأمريكي والصهيوني وإعلان مشروع "اسرائيل الكبرى" صراحة، تخوض المقاومة حربًا ضروسًا. في ظل وضع إقليمي غير مسبوق في تواطئه وضعفه، ووضع داخلي غير مسبوق في خذلانه وتآمره على المقاومة، هو أكبر ابتلاء واختبار لمصداقية المقاومة وجمهورها الوفي.
للمقاومة ألف حجة؛ إذا أرادت التخلف عن القتال؛ بسبب الحصار وفقدان الناصر وهمجية وبشاعة الاستهداف وحقارة أساليبه التي تعتمد الجرائم واستهداف الأبرياء وتشريدهم للضغط على المقاومة.. لكن المقاومة الصادقة لا تبحث عن حجة للتخلي عن تكليفها، إنما تخوض معركتها بشرف ومسؤولية وبروح كربلاء التي حفظت الدين، فهي تخوض معركتها بهذه الروح لحفظ الوطن والدين، حيث تنوب عن أمة كاملة تخلت عن تكليفها، وبدت تسعى إلى مذبحها بخطوات متسارعة.
أخذت المقاومة بالأسباب؛ ولا تسعى إلى انتحار، كما يروج خصومها، إنما أعدت القوة والمفاجآت التي أربكت العدو. كما تحلت بالصبر الاستراتيجي عندما كان الظرف سانحًا والترميم واجبًا، وتخلت عن الصبر عندما أنت المواجهة حتمية، وأعلنت خوضها المعركة حتى النفس الأخير، من دون تراجع أو وهن..
الأهم من ذلك كله؛ أنها أعلنت ثقتها وإيمانها بالنصر الإلهي والتحرير الثالث، وهو يقين راسخ عند المقاومة، بدءًا من قادتها ومرورًا بمجاهديها الأبطال على الجبهات، ووصولًا إلى جمهورها الصابر والصامد والمؤمن بأن التضحيات هي ثمن الكرامة والعزة وجزء لايتجزأ من الدين والعقيدة. إذ غن عقيدة المقاومين ليست لعقًا على ألسنتهم، فقد أثبت الجمهور الوفي، والذي محّص بالبلاء، أنه من الديانين وليس من المدعين.
إننا أمام معركة وجودية كبرى، ولا يوجد خيار سوى المواجهة والمقاومة، ولا خيار جماهيري سوى الصبر. كما قال الشهيد الكبير سيد المقاومة السيد حسن نصر الله "قطعا سننتصر"، حيث تنطلق عقيدة المقاومة من وعد إلهي بأن الله ينصر من ينصره، ولا يكون نصر الله إلا بحماية المستضعفين ورفض الذلة والصدق في التضحية، ومواجهة الظلم والظالمين والدفاع عن الحق واسترداده.