"النفسجسدية"... أمراض بلا تفسير عضوي ولبنان السادس عالمياً

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

هل سمعتم يوما بمصطلح "النفسجسدية"؟ قد يبدو للكثيرين مفهوما نظريا بعيدا عن الواقع، لكنه في لبنان بات تجربة يومية صامتة يعيشها آلاف الأشخاص ففي بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية، ارتفعت مستويات التوتر والقلق والاكتئاب بشكل غير مسبوق، فيما بدأ كثيرون يعانون من أعراض جسدية مزمنة لا يجد الطب لها تفسيرا عضويا.

صداع مستمر، آلام في المعدة، خفقان قلب، ضيق في التنفس، تعب مزمن، وآلام عضلية متنقلة أعراض تتكرر في العيادات والمستشفيات، لكن نتائج الفحوصات غالبا ما تأتي "طبيعية" فهل الألم جسدي أم في مكان أعمق لا يرى؟

يحتل لبنان وفق تصنيفات عالمية المرتبة السادسة عالميا في معدلات الاكتئاب، في مؤشر يعكس حجم الضغوط والانهيار النفسي الذي يعيشه اللبنانيون.

العلاقة بين النفس والجسد حقيقة علمية

يؤكد خبراء الصحة النفسية أن العلاقة بين النفس والجسد ليست افتراضا، بل حقيقة علمية مثبتة، إذ تؤثر المشاعر السلبية والتوتر المستمر على الجهاز العصبي والمناعي والهرموني، لتتحول لاحقا إلى أعراض جسدية ملموسة، ويعرف المختصون الاضطرابات النفسجسدية بأنها حالات تظهر فيها أعراض جسدية حقيقية، لكن جذورها نفسية أو عاطفية، مثل القلق المزمن والصدمات النفسية والضغوط المتراكمة، دون أن يعني ذلك أن الألم غير حقيقي.

حين يتحول الألم الداخلي إلى أعراض جسدية

المستشارة التربوية والنفسية في جمعية إثراء لبنان سمر رحمة، تؤكد في حديث لـ"الديار" أن الصدمات النفسية والتجارب القاسية لا تبقى محصورة في البعد النفسي، بل تنعكس مباشرة على الجسد، حيث قد يفقد الإنسان تدريجيا قدرته على التعبير عن مشاعره، ويتحول الألم الداخلي إلى أعراض جسدية مختلفة.

وتشير إلى أن الجسد قد يحتفظ بالألم غير المعالج، ما يؤدي إلى تعب مزمن واضطرابات جسدية، خاصة في ظل غياب الدعم النفسي والمساحة الآمنة للتعبير" وتلفت إلى أن "التوتر المستمر يؤثر على ضغط الدم ودقات القلب، وقد يظهر حتى لدى أشخاص أصحاء في حالات مثل "متلازمة المعطف الأبيض" White Coat Syndrome حيث يرتفع الضغط عند زيارة الطبيب بسبب التوتر.

ولا يتوقف التأثير عند هذا الحد حيث يمتد الضغط النفسي إلى جهاز المناعة، ما يجعل الجسم أكثر عرضة للأمراض، فيما تختلف قدرة الأفراد على التكيف بحسب البنية النفسية والدعم الاجتماعي وتحذر رحمة في الوقت نفسه من المبالغة في "نفسنة" كل عرض جسدي، مشددة على ضرورة الإصغاء للجسد وعدم تجاهل إشاراته الطبية.

النساء تحت الضغط... حين يصبح الكبت مرضا

وترى أن العلاقة بين النفس والجسد متبادلة، فالألم الجسدي قد ينعكس بدوره على الحالة النفسية، ما يستدعي اهتماما متوازنا بالصحة الجسدية والنفسية معا وتؤكد أن التعبير عن المشاعر وطلب العلاج النفسي خطوة أساسية لحماية الإنسان، إذ يوفر العلاج مساحة آمنة لفهم الذات ومواجهة الصدمات المكبوتة وتوضح أن كثيرين يعيشون مشاعر غضب أو حزن غير معالجة، تتحول مع الوقت إلى توتر مزمن أو إنهاك نفسي وجسدي.

كما تلفت إلى أن النساء بشكل خاص يتأثرن نتيجة الكبت العاطفي، أو تحمل أدوار تفوق قدرتهن، أو صعوبة قول "لا"، وهو ما يتقاطع مع ما يشير إليه الطبيب والكاتب الكندي غابور ماتيه، الذي يربط بين التوتر المزمن والصدمات النفسية وبعض أمراض المناعة الذاتية، موضحا أن" 80% منها تصيب النساء".

ويشي إلى أن "أنماطا سلوكية مثل كبت الغضب، وتقديم احتياجات الآخرين على الذات، وربط القيمة الشخصية بالواجب، قد تخلق ضغطا نفسيا مزمنا ينعكس بيولوجيا على جهاز المناعة" ويضع ذلك ضمن سياق ثقافي أوسع يربي النساء على الرعاية والصمت العاطفي وتحمل الأعباء، ما يجعل المسألة اجتماعية بقدر ما هي نفسية أو بيولوجية، لا جندرية بحتة.

الأطفال ضمن دائرة الخطر

وتشير رحمة إلى أن الأمر يظهر أيضا لدى الأطفال على شكل آلام في البطن أو أعراض جسدية مرتبطة بالمدرسة والقلق وهي إشارات لا يجب التقليل منها أو التعامل معها بالاستهانة، لأن الألم حقيقي حتى في غياب سبب عضوي واضح وتؤكد على أهمية التوعية النفسية وطلب المساعدة المتخصصة، إلى جانب اعتماد وسائل مساعدة مثل الموسيقى والطبيعة والعلاقات الاجتماعية، لما لها من دور في تخفيف التوتر واستعادة التوازن الداخلي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد