مالك دغمان (صحيفة المدن)
يحلّ عيد الأضحى هذا العام على العائلات في لبنان وسط واقع اقتصادي وأمني ضاغط، حيث لم تعد التحضيرات للعيد مرتبطة بزحمة الأسواق التقليدية كما في السابق، بل باتت تُنجز لدى كثيرين عبر الشاشات وخدمات "الأونلاين". وبينما يُفترض أن يكون العيد مساحة للفرح واللقاءات العائلية، يبدو أنه يتحوّل تدريجياً إلى تجربة رقمية تُدار بنقرة زر، لكنها لا تخفّف بالضرورة من وطأة الأزمة المعيشية.
في محاولة لملامسة هذا الواقع، قمنا بتجربة افتراضية لتجهيز مستلزمات عائلة صغيرة من دون النزول إلى الشارع، فجاءت النتيجة كمرآة تعكس عمق الأزمة السعرية والاقتصادية التي تواكب العيد هذا العام.
كسوة الأولاد: وهم "الخصم الرقمي"
البداية كانت من المحطة الأبرز في طقوس العيد، كسوة الأولاد. يلجأ الكثيرون اليوم إلى المواقع الإلكترونية والتطبيقات، مدفوعين ببريق الإعلانات التي تَعِدُ بحسومات وتخفيضات مغرية. بنقراتٍ سريعة، اخترنا ملابس أساسية لطفلين فقط. الصدمة تمثلت في أن السعر الأولي، حتى بعد احتساب "الخصم الرقمي" الموعود، بلغ حوالي 200 دولار أميركي.
هذا اللهيب في الأسعار الرقمية ليس معزولاً عن الواقع، إذ تتقاطع هذه الأرقام مع البيانات الأخيرة لإدارة الإحصاء المركزي ومؤشرات التضخم، التي تظهر أن أسعار الملابس والأحذية سجلت مستويات قياسية تجعل من ميزانية العيد عبئاً لا تحتمله الرواتب المحلية المتهالكة. الفاتورة تكشف زيف الرهان على التوفير الافتراضي، فالشاشات الملونة لا تقدم حلولاً سحرية، بل تتحول التجربة سريعاً إلى استنزاف قاس للقدرة الشرائية.
ضيافة العيد: الطقوس "ديليفري"
المحطة الثانية لم تكن أفضل حالاً، وهي المرتبطة بـِ "ضيافة العيد". حتى المعمول والحلويات، تلك التفاصيل الحميمة التي كانت تفوح رائحتها من البيوت أو المخابز الحية في الأحياء، باتت تُطلب اليوم عبر خدمة "الديليفري" وبضغطة زر واحدة.
شراء اثنين كيلوغرام من الحلوى، مع إضافة كلفة التوصيل، سيكلف العائلة 44 دولاراً. إنها طقوس تقليدية وتاريخية جرى تفريغها تدريجياً من حميميتها الاجتماعية تحت وطأة الظروف، لتُدار بالكامل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتتحول من مناسبة للبهجة البسيطة إلى مجرد أرقام جافة تُدفع عبر الشاشات.
النسك الشرعي: عولمة الأضحية
أما النسك الشرعي، الجوهر الروحي لهذا العيد، فقد ناله هو الآخر نصيب من التحول الرقمي. فالاعتماد على منصات الأضاحي بات أمراً أساسياً، وخصوصاً للمغتربين الذين يحاولون إسناد عائلاتهم في الداخل عبر الدفع عن بُعد.
وهنا تبرز الأرقام السنوية للبنك الدولي، التي تؤكد أن تحويلات المغتربين لا تزال تشكل الشريان الأساسي لصمود العائلات، حيث تحولت هذه الأموال في العيد، عبر منصات الأضاحي والتطبيقات أو بعض الإعلانات عبر واتساب، إلى أداة دعم مباشر لتأمين الحد الأدنى من الطقوس.
لكن بورصة الأضاحي الرقمية تعكس قفزات جنونية، إذ يبلغ سعر سهم الأضحية عبر الموقع من 300 دولار، ويصل حتى 450 دولاراً لسعر الخروف الواحد. وهنا نتحدث عن خروف فقط. هذه الأرقام تحاكي تحذيرات منظمات الأمم المتحدة (كالإسكوا والفاو) حول اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، حيث تحولت اللحوم من طبق رئيسي أو مكرمة تُوزع على الفقراء، إلى سلع رفاهية تقتصر على فئة قادرة، لتتحول الأضحية إلى معاملة مالية عابرة للقارات، باردة، ومحكومة بمنطق السوق.
الحسبة النهائية: صمود رغم العبء
على الشاشة، تكشف الحسبة النهائية أن المجموع الإجمالي لسلة العيد الرقمية لعائلة صغيرة وصل إلى حوالي 600 دولار أميركي، أو 300 دولار في حال الاستغناء التام عن الأضاحي، وهو الخيار الذي باتت تفرضه الظروف على الغالبية الساحقة من المقيمين.
الخلاصة المقلقة التي تفرضها هذه التجربة هي أن التكنولوجيا، وإن سهّلت عمليات الشراء واختصرت المسافات، إلا أنها لم تنجح في تخفيف لهيب الأسعار أو كسر حدة الغلاء المعيشي. لقد فرغت الجيوب، وإن كان هذا الإفراغ قد تم هذه المرة بطريقة افتراضية ناعمة من خلف الشاشات. ومع ذلك، وأمام كل هذا الإحباط الرقمي والواقعي، يبقى عيد الأضحى مساحة صمود مستمرة للناس، وقدرة متجددة على ابتكار الفرح وصناعة البهجة من قلب الانكسار، بالرغم من كل الظروف.