صورة في قلب النزوح.. وحكاية وطن لا ينكسر

post-img

د. ليلى شمس الدين/ باحثة في الإنثروبولوجيا والإعلام

البارحة.. وفي الطريق إلى الجامعة، لم أكن أعبر شارعًا عاديًا، كنت أعبر حياةً كاملة تختصر هذا الوطن بكل ما فيه من خوفٍ وصمود، من وجعٍ وإصرار، من انهيارات صغيرة ومحاولات نجاة لا تنتهي. لم يكن ما عشته مجرّد طريق مزدحم، ولا حادثة عابرة تُروى ثم تُنسى.. كان لحظة وجودية كاملة، لحظة شعرت فيها أنّ الزمن توقّف قليلًا ليجبرني على النظر في وجوه الحياة كلّها دفعة واحدة..

خرجتُ متوجّهة إلى الجامعة.. أحمل أسئلة الامتحانات النهائية لهذا الفصل، وأحمل معها سنوات من التعب والسهر والسعي، وأوراقًا بحثية أعددتها بشغف طويل كي تُقيَّم ضمن مسار أكاديمي لطالما حلمت بأن أصل فيه إلى مراتب أعلى.. بالرغم من الحروب، والاعتداءات، والانقطاعات التي لا تكفّ عن سرقة الوقت والعمر. كنت أظنّ أنّني ذاهبة فقط لتسليم أوراق.. لكنني، في الحقيقة، لكن الطريق لم يكن طريقًا.. كنت أعبر وطنًا كاملًا وهو ينزف.

كان سيلًا بشريًا هائلًا يزحف تحت ثقل التهديد.. سيارات مكتظّة بالعائلات، تكاد تختنق من الزحمة، ودراجات نارية تحاول أن تشقّ لنفسها خطوط عبور بين المساحات الضيّقة.. فتتسلّل بين الفراغات الضيّقة كأنّها تحاول إنقاذ الوقت من الموت..  وجوه تمشي على الأقدام حاملة تاريخها وحاضرها، باحثة عن مستقبل في وطن يتعرّض لاعتداءات وحشية من عدو غاشم قرّر، في لحظة تجبّر، أن يهجّر منطقة جغرافية بأكملها، غير آبه بما يصنعه من خراب نفسي وإنساني لا يشبه إلا الهمجية نفسها.

سيلٌ بشريّ هائل يتدفّق كأنّه موجة اقتُلعت من جذورها دفعة واحدة. في تلك اللحظة، شعرت أنّني لا أنظر إلى شارع.. بل إلى القيامة نفسها.. كلّ شيء كان يحمل معنى التحدّي والإصرار والعنفوان والقهر في آن..

على الطريق، بدا المشهد أكبر من الاحتمال الإنساني نفسه.. وجوه الناس لم تكن عابرة.. غرقتُ داخل المشهد. كلّ وجه كان رواية كاملة عن بيت تُرك على عجل.. عن أمّ احتضنت أطفالها كي لا تمنحهم الأمان..  عن رجل يبدو صلبًا رغم ما يحيط به من تحدّيات .. وعن عجوز يأمل أن يعود إلى المكان الذي أمضى عمره فيه..

تزاحمت الأسئلة واقتحمت رأسي دون استئذان:

ماذا لو قصفت طائرات العدو هذا السيل البشري الآن؟ وهي التي لا تتردّد في قتل الحياة أينما كانت.. وقد فعل مثلها مرارًا.. ماذا لو كانت هذه الساعات هي الأخيرة لي في هذا العالم؟ وماذا لو أنّني لن أرى من أحبّهم بعد اليوم؟ كيف يمكن للإنسان أن يحمل كل هذا الخوف، ثم يجد القدرة على المشي رغم ذلك؟ وكيف يمكن لهذا الوطن، المثخن بكل هذا الوجع، أن يبقى واقفًا؟

وألف ألف ماذا وكيف.. وفي خضمّ هذا الضجيج، سألت نفسي: كيف يمكن للإنسان أن يقول لمن يحبّهم إنّه يحبّهم حقًا؟ كيف يمكن إيصال كل هذه المشاعر وسط هذا الخراب؟ وكيف يشعر هؤلاء الذين أرى في وجوههم الإصرار على البقاء في هذا الوطن شرفاء وأعزّاء مهما بلغت المرارة؟

وماذا عن تلك الطفلة الصغيرة التي غادرت منزلها على عجل، إلى مكان جديد ستضطر لاكتشافه كي تعود وتحلم من جديد بمستقبل يُرسم لها؟

لكنّ أكثر ما هزّني.. مشهد أبكاني حدّ الوجع.. تلك الفتاة الشابة التي رأيتها تتأبّط كتف شاب يكاد يكون عشرينيًا لا يقوى على الحركة - ربما يكون شقيقها - فيما تحاول، بكتفه الأخرى تلّقي مساعدة امرأة أثيوبية بدت كأنها تساعدهم في حمل ما تبقّى من الحياة.. يجرّون أقدامهم على الرصيف نحو مكان يظنّونه ربما أكثر أمانًا، بينما الأمان نفسه صار فكرةً معلّقة بين السماء والأرض.. كانوا يسيرون ببطء وسط الزحام، كأنّهم يحملون العالم بأكمله فوق أكتافهم.. لا أعرف لماذا شعرت وقتها أنّ الإنسانية كلّها كانت تمشي في ذلك المشهد..

مشهد لا تستطيع الكلمات أن تحيط به، لأنّ اللغة نفسها تعجز أحيانًا أمام هذا الكمّ من الوجع النبيل.. في تلك اللحظات، شعرت بحاجة جارفة لأن أقول لكلّ من أحبّهم: أنا أحبّكم أكثر ممّا تستطيع اللغة أن تقول وتعبّر.. لكن كيف يمكن للإنسان أن يرسل كل هذه الرسائل وسط هذا الضجيج الكونيّ المتلاحق دون توقّف؟

هنا .. أدركت شيئًا مؤلمًا ..نحن لا نؤجّل مشاريعنا فقط بسبب الاعتداءات المستمرّة..نحن نؤجّل أجزاءً من أرواحنا أيضًا. كم مرّة أخّرنا أحلامنا كي ننجو؟ كم مرّة قلنا: ليس الآن.. لأنّ الوطن يحترق؟

حتى الحبّ نفسه يصبح مؤجّلًا..

أسئلة كثيرة، ومشاهد لا حدّ لها..  كانت تنهال عليّ دفعة واحدة، وأنا أبحث عن مكان أركن فيه سيارتي لأكمل المسافة سيرًا على الأقدام، بعدما أدركت أنّ هذا الطوفان البشري لن يسمح لي ببلوغ هدفي قبل بضع ساعات..

وأنا أبحث عن هذا المكان..  كانت الأفكار تتدافع داخلي بصورة مرعبة.. هل قد أتسبّب، من حيث لا أدري، بأذى لمن ينتظرونني في العمادة إذا تأخّرت أو تغيّرت الظروف أو وقع القصف؟ وأنا التي أحرص أن لا يُصاب أحد بمكروه بسببي..  حملت هاتفي.. ووجدتني أتصل بمن تنتظرني.. واصرّ على أن تُغادر دون أي اعتبار لانتظاري..

لكنّ محبّتها هدأت من هواجسي..  حتى خوفنا لم يعد فرديًا.. بتنا نخاف على الآخرين أكثر ممّا نخاف على أنفسنا.. أكثر من ساعة مرّت ثقيلة ومتباطئة ونحن غارقون في المشهد نفسه.. وبعد وقت ليس بالقصير على الاطلاق.. وجدت مساحة صغيرة على جانب الطريق؛ ركنت سيارتي بلا تردّد.. وبلا احتساب لأي تبعات؛ حملت أغراضي، وأوراقي، وأحلامي المؤجّلة بفعل الحروب، ومشيت..

مشيت مسافات طويلة .. وأنا أتأبّط مشروعي الذي لطالما أرجأته الاعتداءات المتكرّرة، وكأنّ هذا الوطن يختبر قدرتنا الدائمة على تأجيل أنفسنا كي نبقى. كنت أمشي وكأنّني أعبر بين حياتين: الحياة التي عرفتها..

وحياة أخرى بدأت تتشكّل داخلي دون توجيه منّي.. وهنا، عشت تجربة وجودية متجدّدة ..وفي مكان ما .. بين التعب والترقّب والزحام، قلت في سرّي.. إذا لم تُكتب لي الحياة بعد هذا اليوم.. فسأرحل إلى عالم لم اخبره من قبل.. سأرحل وأنا أحاول، حتى اللحظة الأخيرة، أن أكون نسخة أكثر صدقًا من نفسي..لعلّي أنتقل إلى حياة أخرى.. أحاول أن أكتشف فيها ما الذي كان يمكن أن أكونه أيضًا..

وفي ذروة هذا المشهد السريالي.. بدأت أرى كانت عدسات الصحافة توثّق النزوح الكبير..  توثّق ما لا يمكن اختزاله لا إنسانيًا، ولا قانونيًا، ولا وطنيًا.. وتحاول أن تحفظ للتاريخ ما لا يجب أن يتحوّل إلى أرقام أو مشاهد عابرة في نشرات الأخبار..

هناك… رأيته.

الصديق صاحب العدسة التي لا تلتقط الصور فقط.. بل تكشف أرواح الأمكنة والناس.. إنّه الصديق عباس سلمان.. وفي لحظة خاطفة..  التقط لي صورة..لكنّها لم تكن صورتي وحدي..كانت صورة امرأة تمشي وسط وطنٍ مهدّد.. حاملةً أوراقها وأحلامها وأسئلتها ووجعها وإصرارها على ألّا تسقط..  كانت صورة جيل كامل يحاول أن ينجو دون أن يتخلّى عن حقّه في المعرفة والحياة والكرامة..إنّها حكاية وطن لا يزال.. رغم كل شيء.. يرفض أن يسلّم نفسه للهزيمة.. وطن يأبى أن يسلّم أوراق اعتماده إلاّ للأحرار والشرفاء من أبنائه..وطن يعرف أنّ الأحرار وحدهم هم الذين يكتبون تاريخه الحقيقي وحاضره ومستقبله..

وغدًا
حين يهدأ هذا الركام كلّه.. سيعرف العالم أنّ الذين بقوا هنا لم يكونوا عشّاق موت..بل عشّاق حياة قاوموا كي تبقى الحياة ممكنة..

غدًاسيأتي يوم نلتفت فيه إلى كل هذا الألم.. فنكتشف أنّنا كنّا.. رغم أحزاننا وآلامنا وفقدنا وتحدّياتنا وصبرنا وعزيمتنا وإصرارنا .. نبني المعنى الأخير للوطن. لأنّ الأوطان يحفظها أولئك الذين يواصلون ويحسنون السير داخل العاصفة..

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد