"نداء صور" و" نداء النبطية" أهما صوت إنساني أم أن الغاية مريبة؟

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

في الوقت الذي يواصل فيه الجنوب اللبناني مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وما تخلّفه من دمار بشري وعمراني واسع، برز خلال أيار 2026 ما عُرف بـ«نداء صور» و«نداء النبطية»، وهما مبادرتان مدنيتان طالبتا بإعلان المدينتين منطقتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح تحت حماية الدولة اللبنانية. أثار النداءان جدلًا سياسيًا واسعًا بين من رأى فيهما صرخة إنسانية لحماية المدنيين، وبين من عدّهما طرحًا سياسيًا يصبّ في سياق الضغوط الرامية إلى إضعاف المقاومة اللبنانية في لحظة مواجهة مفتوحة مع العدو الإسرائيلي.

يكتسب هذا النقاش أهمية إضافية، في ظل التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة، لا سيما المؤشرات الصادرة عن استطلاعات الرأي داخل "إسرائيل" نفسها، والتي تكشف تراجعًا ملحوظًا في ثقة الجمهور الإسرائيلي بجدوى الحرب على لبنان وبإمكان تحقيق نصر حاسم على المقاومة.

الاحتلال أصل الأزمة

منذ عقود، يشكل الجنوب اللبناني ساحة مواجهة مباشرة مع الكيان الإسرائيلي، والذي نفذ اجتياحات واعتداءات متكررة ضد الأراضي اللبنانية، بدءًا من احتلال أجزاء واسعة من الجنوب وصولًا إلى الحروب المتعاقبة والغارات المستمرة. في هذا السياق، يرى مؤيدو المقاومة أن جوهر المشكلة يكمن في استمرار التهديد الإسرائيلي للبنان وسيادته. إذ إن المدن والقرى الجنوبية لم تتعرض للقصف بسبب النداءات السياسية أو المواقف المدنية، بل لأنها تقع في قلب الصراع مع دولة ما تزال تعد لبنان جزءًا من معادلتها الأمنية والعسكرية. لذلك، فإن تحميل المقاومة وحدها مسؤولية الدمار يتجاهل الفاعل المباشر الذي ينفذ الغارات ويستهدف البنى التحتية والمنازل والمرافق المدنية.

قراءة مختلفة لــ"نداء صور" و"نداء النبطية"

يرفع أصحاب النداءين شعارات إنسانية تتعلق بحماية السكان ومنع تدمير المدن والقرى الجنوبية. هي أهداف تحظى بتعاطف واسع بين اللبنانيين؛ لأن حماية المدنيين أولوية وطنية لا خلاف عليها.

غير أن الإشكالية، وفقًا لمنتقدي النداءين، تكمن في أن الطرح يركز على نتائج العدوان أكثر مما يركز على مسبباته. إذ إن إعلان المدن «خالية من السلاح» لا يقدّم ضمانة فعلية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، خصوصًا أن التجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن "إسرائيل" لم تتوقف عن استخدام القوة العسكرية حتى في مناطق لا تشهد وجودًا عسكريًا منظمًا.

كما يرى معارضو النداءين أن توقيتهما يثير أسئلة سياسية مشروعة، إذ جاءا في لحظة تشهد تصعيدًا عسكريًا وضغوطًا دولية متزايدة على لبنان، الأمر الذي جعل كثيرين يرون أن نتائجهما السياسية قد تتجاوز الأهداف الإنسانية المعلنة.

المقاومة ومعادلة الردع

منذ التحرير في العام 2000، شكّلت المقاومة أحد أبرز عناصر الردع في مواجهة الكيان الاحتلالي الإسرائيلي. إذ بينما يختلف اللبنانيون في طبيعة هذا الدور وحدوده وآليات تنظيمه ضمن الدولة، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى أن "إسرائيل" لم تعد تتعامل مع لبنان بالطريقة نفسها التي كانت سائدة خلال سنوات الاحتلال. إذ إن وجود قوة قادرة على الردّ وفرض أثمان عسكرية وسياسية على كيان الاحتلال أسهم في تغيير قواعد الاشتباك، وفي جعل أي قرار إسرائيلي بالتصعيد أكثر تعقيدًا وكلفة. لذلك؛ يرى أنصار المقاومة أن النقاش في السلاح لا يمكن فصله عن النقاش في البديل القادر فعليًا على حماية لبنان وردع الاعتداءات الخارجية.

بين الدولة والمقاومة

مما لا شك فيه أن بناء دولة قوية وقادرة يبقى هدفًا وطنيًا جامعًا للبنانيين كلهم. كما أن تطوير استراتيجية دفاعية وطنية وتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة وأي قوة مسلحة خارجها يمثلان موضوعًا مشروعًا للنقاش.

لكن هذا النقاش، وفقًا لرؤية مؤيدي المقاومة، يجب أن ينطلق من أولوية مواجهة الاحتلال والعدوان أولًا، لا من منطق نزع عناصر القوة المتاحة للبنان في ذروة المعركة. الدول عادة تعيد تنظيم أدوات دفاعها بعد انتهاء التهديدات الوجودية، لا في أثناء تعرضها للهجوم.

في الخلاصة

تكشف تجربة الجنوب اللبناني أن الصراع مع الوجود الإسرائيلي المحتل لا يمكن اختزاله بسجال داخلي، حيال السلاح أو الخيارات السياسية المختلفة. إذ إن الأزمة الأساسية تبقى مرتبطة باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية وبغياب حل عادل ودائم يضمن الأمن والسيادة للبنان.

في ظل مؤشرات إسرائيلية متزايدة على تراجع الثقة الشعبية بالحرب ونتائجها، يبدو أن الرهان على صمود المجتمع اللبناني وتمسكه بحقوقه الوطنية ما يزال عاملًا أساسيًا في معادلة الصراع. أما الخلافات الداخلية، مهما بلغت حدتها، فتبقى شأنًا وطنيًا يمكن معالجته بالحوار، شرط ألا يتحول إلى مدخل لإضعاف قدرة لبنان على مواجهة التهديدات الخارجية.

المصادر والمراجع المعتمدة:

  1. تقرير «نداء صور والنبطية: الصدى والجدل – مقارنة شاملة بين المؤيدين والمعارضين» .
  2. ملف «توثيق المصادر والاقتباسات» والذي يجمع 8 مصادر إعلامية موثقة حول النداءين عبر وسائل التواصل والاعلام.
  3. تقارير منشورة في بيروت 24 والشرق الأوسط حول نداءي صور والنبطية.
  4. تقارير إرم نيوز والمرصد الإخباري وموقع تيار حول مضمون النداءين وردود الفعل عليهما.
  5. استطلاعات الرأي الصادرة عن معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) خلال آذار/مارس وأيار/مايو 2026.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد