إلى الخبراء و"البروفيسيرية"... أين كنتـم؟

post-img

فادي عبود (صحيفة الجمهورية)

أحياناً نسمع من خبراء أو بروفيسيرية يتحدّثون عن أزمة الودائع، فيوزّعون المسؤوليات: الدولة مسؤولة، مصرف لبنان مسؤول، المصارف مسؤولة وبعضهم يقول: إنّ المودعين أيضاً يتحمّلون جزءاً من المسؤولية. أي إنّ المودعين كان يُفترض أن يدركوا أنّ الفوائد المرتفعة مؤشر إلى وجود مخاطر، بالتالي كان عليهم اتخاذ قرارات مختلفة لحماية أموالهم. لكنّ هذه النظرية قد تكون قابلة للنقاش في حالة وجود مصرف أو جهة محدَّدة، قامت بعرض استثنائي ومبالغ فيه لاستقطاب الأموال. عندها يمكن البحث في حدود مسؤولية الفرد، مع بقاء مسؤولية الجهات الرقابية قائمة.

وهذا ما حصل في حالات احتيال عالمية مثل قضية مادوف (Madoff)، إذ كان الأمر عبارة عن عملية احتيال نفّذها شخص واحد وشركته، ولم تكن الدولة طرفاً فيها أو شريكاً في صنعها. ومع ذلك، تدخّلت السلطات الأميركية، عبر الآليات القانونية وصندوق حماية المستثمرين، لإعادة جزء كبير من أموال المتضرّرين.

أمّا في لبنان، فالوضع كان مختلفاً تماماً. فما جرى لم يكن نتيجة خطأ فردي أو تصرُّف معزول، بل كان ثمرة  سياسة استمرّت سنوات، شارك فيها المصرف المركزي والحكومات المتعاقبة وجميع المصارف من دون استثناء. وكان صندوق النقد الدولي نفسه يشيد بسياسات رياض سلامة، الذي بقي في منصبه نحو ثلاثة عقود على رغم من تعاقب الحكومات وتبدّلها.

فماذا كان يُفترَض بالمودع أن يفعل؟ هل كان مطلوباً منه أن يعتبر أنّ كل هذه الجهات مخطئة، وأن يشكّك بالمصرف المركزي الذي كان يحظى بإشادات محلية ودولية، ثم يسارع إلى سحب أمواله من جميع المصارف اللبنانية وإخراجها من لبنان؟ هل هذا منطق يمكن أن يُطلب من أي مودع؟ فلنكن جديّين.

المودع لم يكن يملك هذا الخيار، ولا يجوز تحميله أي مسؤولية عمّا جرى. بل إنّ الاستمرار في ترويج نظرية مسؤولية المودعين يعني عملياً توجيه رسالة مدمّرة إلى كل مستثمر وكل مودع في المستقبل: لا تثقوا أبداً بلبنان ولا بمؤسساته المالية، مهما بلغت الضمانات أو الإشادات الدولية. وإذا كانت هذه هي الرسالة، فسنكون أنهينا أي أمل بقيام اقتصاد لبناني سليم واستعادة الثقة به. وهنا نطرح سؤالاً للخبراء والبروفيسيرية: أين كان الخطاب الاقتصادي التحذيري الواضح في حينها؟

إذا كان الخطر بهذه الدرجة من الوضوح، وإذا كانت الفوائد المرتفعة دليلاً كافياً على انهيار مقبل، فلماذا لم تكن هنالك تحذيرات صريحة ومستمرة للمواطنين؟ لماذا لم تكن هناك دعوات واضحة لإعادة النظر في المخاطر واتخاذ إجراءات لحماية المدّخرات؟ لم نسمع أقلّه في حينها هؤلاء الخبراء والبروفيسيرية يحذّرون من الفوائد ومن القطاع المصرفي.

بل إنّ الواقع، أنّ بعض هؤلاء الخبراء والبروفيسيرية كانوا خط الدفاع الأول عن رياض سلامة وسياساته، وحظي أيضاً بسلسلة ضخمة من التكريمات داخل لبنان من قِبل الهيئات الاقتصادية والمصرفية والجامعات والمؤسسات المختلفة، مُنح خلالها الأوسمة والدروع.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أخرى: فئة محدودة من أصحاب النفوذ أطلعت على حقيقة الوضع من الداخل أو ممّن شاركوا بهندسة الأزمة، أخرجت أموالها قبل الانهيار، بينما بقي معظم المودعين داخل النظام المصرفي، لأنّهم وثقوا بالدولة وبالمؤسسات المالية القائمة.

وحتى بعد بدء الأزمة، استطاع بعض أصحاب النفوذ بتحويل أموالهم إلى الخارج بوسائل لم تكن متاحة للمودع العادي، الذي وجد نفسه أمام القيود والتعاميم، وخسارة جزء كبير من قيمة مدّخراته. كما أنّ بعض المصارف شجّعت المودعين قبل وقوع الأزمة بقليل، على تحويل ودائعهم إلى الليرة اللبنانية، ما أدّى إلى خسائر كبيرة بسبب انهيار سعر الصرف. وهذه جريمة أخرى.

لذلك، وبسبب هذه الممارسات، إنّ المصارف يجب أن تقتنع أنّه لم يعُد لديها مكان في السوق اللبناني، فما مارسته على المودعين سيبقى وصمة عار لن تُنسى ولن تحظى بالثقة مجدّداً، ولحظة افتتاح مصرف جديد ستصبح هذه المصارف خارج المنافسة.

والأغرب أنّ البعض يرفض حتى مجرّد البحث في مساهمة الدولة في معالجة الأزمة، عبر بيع جزء من أصولها وأراضيها، بحجة الحفاظ عليها للأجيال القادمة، أو بذريعة أنّ الدستور لا يسمح ببيع أملاك الدولة لتعويض «فئة من المجتمع». وهذا منطق خاطئ. فهذه الحجة قد تُطرح عندما تكون الدولة طرفاً محايداً بين معتدٍ ومتضرّر. أمّا في أزمة الودائع، فالدولة ليست حَكَماً بل هي شريك أساسي في المسؤولية. فمن خلال الحكومات المتعاقبة ومصرف لبنان، كانت أساس المنظومة التي أوصلت إلى نهب الودائع، بالتالي لا شك في مسؤوليّتها الكبرى والأساسية، بالتالي عليها أن تتحمّل كامل مسؤوليّتها.

أزمة الودائع لم تعُد قضية تخصّ المودعين وحدهم. إنّها أزمة شلّت الاقتصاد اللبناني بأكمله. فمن دون قطاع مصرفي موثوق، لا استثمارات، ولا قروض، ولا تمويل للإنتاج، ولا نمو اقتصادي. ومع غياب الثقة، تتراجع فرص الإنتاج، وتتدهور القدرة الشرائية، ويزداد الفقر، وتتراجع الخدمات الأساسية من تعليم واستشفاء، ويصبح المجتمع كله رهينة الإنهيار.

أي أنّ معالجة الودائع هي أساس تشغيل الاقتصاد اللبناني واستعادة الثقة به.

وأيضاً هؤلاء يتحدّثون عن «الأجيال القادمة». لكن أي أجيال ستبقى إذا استمر هذا النزيف؟

مَن لم تسحقه الأزمة الاقتصادية، هاجر أو يستعد للهجرة. آلاف الشباب غادروا، وآلاف العائلات تفكّر بالمغادرة. فهل المطلوب أن نحافظ على الأراضي ونُفرغ البلد من ناسه؟

كم مِن مريض بات عاجزاً عن تحمّل كلفة العلاج أو شراء الدواء، وكم مِن عائلة اضطرّت إلى التخلّي عن أبسط حقوقها الصحية. وكم مِن طالب يتخرَّج اليوم من مدارس وجامعات أنهكتها الأزمة، فيحمل شهادة قد لا تمنحه المستوى العلمي أو المهارات التي تمكّنه من منافسة أقرانه في الخارج. وكم مِن كبير في السن، كان ينتظر تقاعداً كريماً يعتمد فيه على مدّخرات عمره، عاد إلى سوق العمل أو طلب المساعدة، بعد أن نُهِبت تلك المدّخرات. وكم مِن مؤسسة تجارية وصناعية أغلقت أبوابها أو تقلّصت أعمالها، لأنّ أصحابها حُرموا من الوصول إلى ودائعهم، فضاعت رؤوس الأموال والإنتاج، وانتقلت عائلات كاملة من الطبقة الوسطى إلى دائرة الفقر.

أمام كل هذه المآسي، هل يُعقل أن يبقى النقاش محصوراً في كيفية الحفاظ على الأراضي والأصول، فيما نخسر الإنسان والاقتصاد والمجتمع معاً؟ أليست وظيفة الدولة أن تحافظ أولاً على شعبها، قبل أن تحافظ على ممتلكاتها؟ فما قيمة الأراضي إذا فرغ الوطن من شبابه، وتدهورت صحة شعبه، وتراجعت جودة تعليمه، وتوقفت عجلة إنتاجه، وتحوَّلت الشيخوخة فيه من مرحلة راحة إلى معركة يومية من أجل البقاء؟

وفي النهاية، نعود لنذكّر بقصة إبريق الزيت؛ فقبل كل شيء، لا بدّ من الشفافية المطلقة، لأنّ لا إصلاح من دون شفافية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد