«لستَ شجرة»... حملة طائفية تستفز السوريين

post-img

ضجت حسابات السوريين على منصات التواصل الاجتماعي بحملة رقمية جديدة تحمل شعار «قاطع... أنت لست شجرة». وقد دفع هذا الشعار كثيرين إلى الاعتقاد في البداية بأنها حملة داعمة لمبادرات المقاطعة المرتبطة بفلسطين، غير أن منشوراتها وصورها الترويجية سرعان ما كشفت عن هدف مختلف تمامًا، يتمثل في الدعوة إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية في سوريا، عبر التوقف عن التعامل معهم. وهو ما اعتبره ناشطون وحقوقيون محاولة لعزل مكوّن سوري كامل، تمهيدًا لتطبيع التمييز ضده وشرعنة العنف بحقه.

لا تشرب المتة... ولا تتزوج علوية

أثارت إحدى الصور المتداولة ضمن الحملة موجة واسعة من السخرية بعدما خصّت نساء الطائفة العلوية بالدعوة إلى مقاطعتهن في الزواج والعلاقات العاطفية، من دون الإشارة إلى الرجال. ورأى منتقدون أن هذا الخطاب يعكس ذهنية ذكورية متشددة، ويؤكد أن القائمين على الحملة يوجهون رسائلهم أساسًا إلى الشباب الذكور.

في المقابل، تعامل كثيرون مع هذه الدعوة بسخرية، معتبرين أن منع الزواج من نساء الأقليات قد يكون، وفق منطق الحملة نفسه، وسيلة لوقف حالات الخطف والاختفاء التي طاولت نساء من بعض المكونات السورية خلال السنوات الأخيرة. كما جاء في أحد التعليقات على الحملة «ممتاز قاطعونا لا عاد تخطفونا».

كما كشفت الحملة عن نظرة ضيقة تختزل الوجود العلوي بالساحل السوري، وتفترض أن جميع أبناء الطائفة يشربون المتة. وقد دفع ذلك آلاف السوريين إلى الرد بنشر صورهم مع هذا المشروب والتأكيد أنه جزء من ثقافة اجتماعية أوسع تتشاركها طوائف ومناطق متعددة، في ما بدا تفكيكًا مباشرًا للصورة النمطية التي حاولت الحملة ترسيخها. و شاركت العديد من الحسابات عن مناطق سورية تحتوي معامل لصناعة المتة في ريف دمشق، أو معروفة بمشروب المتة بين أهلها.

قاطع تيم حسن... ومكسيم خليل؟

اللافت أن الحملة انتقلت خلال أيام قليلة من الخطاب العام إلى استهداف شخصيات محددة بالاسم، ما أثار مخاوف من تعريض بعض المشاهير للخطر. فقد نشرت حسابات مرتبطة بالحملة صور عدد من الفنانين مطالبة بمقاطعتهم باعتبارهم «ممثلي الإجرام من كل الطوائف»، ومن بينهم غسان مسعود، وتيم حسن، وفادي صبيح، وبشار إسماعيل، وسوزان نجم الدين.

في المقابل، أشار متابعون إلى أن الحملة تركز عمليًا على الفنانين المنتمين إلى الطائفة العلوية بغض النظر عن مواقفهم السياسية، متسائلين عمّا إذا كان منطقها يقتضي أيضًا مقاطعة فنانين مثل مكسيم خليل، المعروف بمعارضته للنظام السابق، لمجرد انتمائه الطائفي.

توقيت حساس لرفع منسوب الطائفية

ورغم أن القائمين على الحملة يقدّمون أنفسهم بوصفهم دعاة «وسائل سلمية» لمواجهة ما يصفونه بمسؤولية «طوائف كاملة» عن جرائم النظام المخلوع، إلا أن منشوراتهم تحرض وتركز على مكون طائفي محدد. وقوبل خطابهم بتحذيرات حقوقية وقانونية واسعة، نظرًا لما تتضمنه المنشورات من دعوات صريحة إلى التمييز الاجتماعي والاقتصادي ضد مكونات سورية محددة.

ترتكز الحملة على مبدأ التعميم الجماعي وتحميل جماعات بأكملها مسؤولية الجرائم التي ارتكبها أفراد أو مؤسسات مرتبطة بالنظام السابق. وقد تجلى ذلك في دعوات إلى مقاطعة استئجار أو تأجير العقارات والأراضي والمنازل لأبناء هذه الطوائف، والامتناع عن توظيف العمال والحرفيين المنتمين إليها.

جاء إطلاق الحملة في توقيت حساس، تزامنًا مع تجدد الاهتمام الإعلامي بملف مجزرة التضامن، والكشف عن معلومات جديدة تتعلق بمصير أطفال الطبيبة المعتقلة رانيا العباسي. ورأى منتقدون أن الحملة حاولت استثمار هذه القضايا الإنسانية عبر الربط الضمني بينها وبين الانتماء الطائفي للمتهمين بارتكاب الجرائم.

رغم فداحة ما جرى، فإن توظيف مآسي الضحايا في سياق تعبئة طائفية يعتبر محاولة لتحويل الألم الإنساني إلى وقود للتحريض وتعميق الانقسامات المجتمعية. كما أشار منتقدون إلى أن الترويج للحملة ساهم في صرف الانتباه عن قضايا أخرى، بينها تداعيات الفيضانات التي أغرقت مساحات زراعية وسكنية واسعة في دير الزور خلال الفترة الماضية.

سوريا... كلها أشجار

بينما تساءل كثيرون عن العلاقة بين الشجرة والدعوة إلى المقاطعة الطائفية، أشار بعض المتابعين إلى أن الشعار يستلهم مقولة شهيرة تُنسب إلى مدرب التنمية البشرية الأميركي جون رون: «إذا لم يعجبك مكانك فغيّره، فأنت لست شجرة».غير أن آخرين رأوا في الشعار مفارقة لافتة؛ فمقاطعة مكون سوري كامل تشبه اقتلاع جزء من الجذور التي تشكل المجتمع نفسه، فيما لا يمكن لشجرة أن تقطع جذورها بإرادتها.

في مواجهة الحملة، انتشرت مبادرة مضادة غير مقصودة حملت شعار «أنا شجرة»، شارك فيها فنانون وناشطون للتعبير عن رفضهم للخطاب الطائفي. ومن بين المشاركين الفنان محمد حبش والفنانة يارا صبري، التي كشفت أن والدتها، الفنانة السورية ثناء دبسي، تنتمي إلى الطائفة العلوية وتعود جذورها إلى لواء إسكندرون، ما أثار تفاعلًا واسعًا بين المتابعين. كما كتب الفنان عدنان أبو الشامات أن حملة «لست شجرة» ليست سوى دعوة إلى التفريق والتقسيم وتوسيع دائرة الخراب.

لم تقتصر الحملة على منصتي «فيسبوك» و«إكس»، بل توسعت سريعًا إلى منصات أخرى عبر شبكة حسابات تستخدم هوية بصرية موحدة، في ظل غياب أي معلومات واضحة عن الجهات التي تقف خلفها. كما تعتمد بشكل ملحوظ على أدوات الذكاء الاصطناعي في تصميم منشوراتها ومحتواها البصري.

حتى الآن، لم يكشف القائمون على الحملة عن هوياتهم، وهو ما اعتبره ناشطون مؤشرًا إلى إدراكهم للطابع التحريضي والطائفي لمحتواها. وفي هذا السياق كتبت الناشطة ريم تركماني: «لماذا كل هذا التخفي ما دمتم بشرًا ولستم شجرة؟».أبرز ما احتاج إلى معالجة كان تصحيح الأخطاء اللغوية والإملائية، تقليل التكرار، وضبط الانتقالات بين الفقرات بحيث يبدو النص أكثر تماسكًا وتحقيقًا صحافيًا متدرجًا.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد