كيف غيّرت الحرب الاستيطان الشمالي؟

post-img

حوراء قبيسي (صحيفة الأخبار)

«الانهيار»، هو المصطلح الأكثر تداولاً عند ذكر واقع مستوطنات شمال الكيان. وهو مصطلح يُعاود إنتاج نفسه عند كل تصعيد. صحيح أن سخط المستوطنين يعكس حالة من الانهيار، لكن ما يحدث يحتاج فهماً لطبيعة «المجتمع اليهودي الشمالي» تاريخياً، وذلك بسبب أنه يصنف «حارساً للحدود»، وحاملاً لـ«هوية جغرافية متفرّدة» مع «إرث تاريخي وعسكري من عمر الكيان الغاصب»، كما أن لديه «ثقافة استيطان متجذرة».

واظبت حكومات العدو المُتعاقبة، على تقديم مِنح استثمارية وميزانيات مالية، إلى جانب تعزيز الدفاعات العسكرية والأمنية، كإجراء لتبريد المخاوف والقلق ولإظهار عدم تخلّي الحكومة عن الشمال. لكنها وسائل تستهدف قمع «الغضب الانهياري» لسكان الشمال، ولم تعد مُجدية «بعد الآن»، بالنسبة إلى رئيس مجلس مستوطنة شلومي، غابي نعمان، الذي يقول «نريد تحقيق الأمن. حتى لو منحوا زرعيت مئة مليون، فلن يمنح ذلك السكان شعوراً بالأمان، ولا يمكن شراء الناس بالمال».

بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وتضخم المخاوف الأمنية وما طرأ من تعديل على فهم التهديد لدى مستوطني الحافّات الأمامية، جاءت صدمة «تعافي حزب الله» وقدرته على إعادة بناء التهديد، لا سيما بعد اندلاع الحرب في 2 آذار 2026، وعكست المواجهات العسكرية القائمة فشل العدو في تحويل الإنجازات العسكرية إلى شعور فعلي بالأمن لدى السكان.

وقراءة حال المستوطنين في الشمال، لا يُبنى بتتبع موجات الغضب أو التصريحات الناقدة فقط، بل في قياس التداعيات على مستوى الوعي والإدراك، ومدى تأثير الفعل التراكمي في إنتاج تعريفات جديدة للصمود والبقاء والاستقرار والتهديد والأمان. خصوصاً أن حكومة العدو لم تجب عن أسئلة مستوطني الشمال حول الأمان، والواقع القائم لا يقنع هؤلاء بالأمن. وهي أسئلة كان متوقعاً أن تبرز بعد انهيار سردية إضعاف حزب الله وتغير الواقع الأمني في الشمال.

بالنسبة إلى المستوطنين، فإن واقع الميدان يشير إلى أن حزب الله يطلق صواريخه ومسيّراته الانقضاضيّة على الشمال، ويطوّر وسائله القتالية، وعلى «ضبابية» المشهد الأمني أمام سكان الشمال، دخل التأزم بمرحلته الثانية، وتحديداً في الفترة الممتدة من شهر نيسان إلى أيار المنصرم، من خلال سؤال آخر لدى سكان الشمال: «لماذا لم يتحقق الأمن في الشمال إلى الآن؟»، لتنشأ فجوة أخرى بين الإنجازات التي يُصدّرها الجيش الإسرائيلي (الاحتلال- التدمير- القتل- التهجير...إلخ) وبين حقيقة المتغيرات الأمنية في الشمال، التي لا تتناسب بطبيعة الحال مع المطالب الأمنية للسكان: أي إزالة التهديد، وسلب حزب الله القدرة على الإطلاق والاستهداف.

ثم دخل «المجتمع الشمالي»، محمّلاً بتراكم العجز عن إيجاد تبرير للواقع الأمني، في ظل عجز جيش الاحتلال عن تغيير هذا الواقع المرير بالنسبة إليهم، إلى مرحلة ثالثة من تمظهر «الانهيار» هي الأشد خطورة (خلال شهر أيار) من خلال التشكيك بأصل قدرة المؤسسة العسكرية على تغير الواقع الأمني المُتردي.

حيث تبين أن الفجوة كبيرة بين «نظرية الأمن» كما يقول الجيش، وبين «مفهوم الأمن» الذي تغيّر في عقلية المستوطنين. وهؤلاء يريدون إزالة التهديد بشكل حاسم ونهائي وسلب قدرة حزب الله على تشكيل أي تهديد، وهو ما عكس خللاً في المفاهيم عند الجميع، وأدى التفاوت بين المستوى القيادي والجماهيري إلى خلل كبير، انعكس قلة استيعاب من قبل المستوطنين المخاطر بواقعيتها. ما أدخل «المجتمع الشمالي» في إشكالية الأمن والبقاء، مع استمرار عقدة «الإهمال» التاريخية، بسبب الوعود الكاذبة للأمن وخطة التأهيل والترميم التي لا زالت قيد التأجيل حتى.

التغير الأبرز في هذه المرحلة كان في انتقال أزمة الثقة من المستوى السياسي إلى المستوى العسكري. وإذا كان المستوى الأول متجذراً في تعقيدات المنطقة الشمالية، فإن اهتزاز الثقة بالمستوى العسكري، قام أصلاً على اتهامات المستوطنين للجيش بإخفاء الحقائق، وتآكل صورة الاقتدار العسكري والقدرة على الردع والحسم في نظرهم، وهو ما يقود إلى خلل عميق وبعيد التأثير، كون الأمن ظل مصدراً أساسياً للاستمرار والبقاء.

هذه البلبة انعكست في نوعية مطالب «سكان الشمال» كل هذا، بين تيار يطالب بضغط عسكري متفلّت من القيود، يحسم بشكل نهائي تهديد حزب الله، وبين تيار متخوف من الخسائر البشرية، ويخشى تكرار تجربة «الشريط الأمني» في جنوب لبنان، وهو ما قاد إلى عجز على المستوى الجماهيري في فهم الإنجازات العسكرية وترجمتها ميدانياً.

عبارة «مستوطنين من الدرجة الثانية»، كما يقول «سكان الشمال» عن أنفسهم، أصبحت عقدة متراكمة، تضاعفت مع الخلل في إدارة التحديات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الديموغرافية، وقد أظهر استطلاع للقناة «12» بتاريخ 25-5-2026، بأن 70% من «سكان حيفا والشمال» قيّموا أداء الحكومة تجاه الشمال بأنه «سيئ»، مع إشارات مباشرة إلى أن ميزانية التأهيل مجمدة، والمنح متأخرة ومؤجلة، وموجات التهجير الصامت نحو أماكن أكثر أمناً متزايدة، مما زاد من عقدة الجغرافيا والأولويات الوطنية (بين الشمال والمركز والجنوب...).
ما سبق، يمكن أن يشرح طبيعة الانتقال في التفكير عند مستوطني الشمال، وبروز مَيل اضطراري فردي بالتوجّه نحو بيئة أكثر أمناً واستقراراً، بما أن المخرجات الأمنية للمعركة عاجزة حتى الآن عن تحقيق «الأمن المطلق». وهذا أفرز واقعاً بدأ فيه المستوطن يُشكك بجدوى البقاء، حيث يقول أفيشاي عوفيد، صاحب متجر في «إيفرون»، إنه اضطر للعيش في سيارته بسبب الوضع الأمني وانعدام الدعم من الدولة وقال «لا يوجد أمن داخلي، ولا على الحدود، ولا أمن اقتصادي – لا أجد أي سبب يمنعني من مغادرة البلاد، لقد استسلمت».

حتى لو تحققت المطالب، كتدمير الضاحية، أو تدمير القرى، أو تثبيت منطقة عازلة، أو نزع سلاح حزب الله...، فقد أدى فقدان الجدوى منها وبقدرتها على إلغاء التهديدات على المدى القريب أو البعيد، إلى سلب المجتمع الشمالي القدرة على الاطمئنان، حيث لم يعد معلوماً بالنسبة إليه إذا كانت الأدوات العسكرية ستنتهي باستقرار أمني.

ما حصل لـ«المجتمع الشمالي» على المستوى الاستراتيجي، هو تحول في بيئة الوعي، ولم تعد القوة العسكرية قادرة تلقائياً على تحقيق الشعور بالأمن.

كما لم تعد مفاهيم النصر والأمن قادرة على توظيف نفسها في الواقع الذي يضمن بقاء المستوطن في الشمال كبيئة رادعة للتهديد، والأهم أنه عندما يبدأ المجتمع بفقدان ثقته بالمؤسسة التي تمثل الضامن الأخير للبقاء (الجيش) وقدرتها على حمايته وتأمين الاستقرار، يتحول القلق من الخوف من العدو إلى الخوف من المستقبل نفسه، كل هذا يحاصر القيادة الإسرائيلية في تحدٍّ حقيقي لتسويق وترجمة الإنجازات العسكرية إلى واقع سياسي وأمني مقنع بالنسبة إلى «المجتمع الشمالي»، أو تحمّل مخاطر تشكّل بيئة أمنية هشّة، مع ما لذلك من تداعيات ديمغرافية، وسياسية، واجتماعية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد