خضر حسان (صحيفة المدن)
تُعتَبَر البواخر المحمَّلة بمختلف مشتقات الفيول، إحدى الأبواب الكثيرة التي تُفتَح على مالية الدولة ليُغرَف منها ما يموِّل جيوب جهات أو أشخاص تستفيد من ترهّل السلطة السياسية وانغماسها في ملفّات الفساد إلى حدّ دفع البلاد إلى السقوط في أزمة اقتصادية ومالية وسياسية لن يسهل الخروج منها. ومع غرق البلاد، بات استنزاف المالية العامة أصعب وأكبر وأكثر تأثيراً على المال العام وتالياً على المواطنين. وتزيد الحرب الراهنة الضغوط على المالية العامة وعلى المؤسسات المعنية بتأمين الدولارات لإتمام عمليات الشراء للمؤسسات والجهات الرسمية، والمعنيّ الأوّل في ذلك، هو مصرف لبنان الذي يُنتَظَر منه حالياً، استبدال كلفة شحنة مازوت لا تزال عالقة في البحر، وتُسجّل بانتظارها غرامات تأخير ستدفعها الدولة.
شحنة عالقة في البحر
بالرغم من مرور شهرين على وصولها إلى المياه اللبنانية قبالة مرفأ طرابلس (في 28 آذار الماضي)، لا تزال ناقلة النفط BASILIS L تنتظر الإذن لإفراغ نحو 30 ألف طن متري من المازوت "اشترتها الوزارة لمصلحة المؤسسة العسكرية والقطاع العام"، وفق بيان سابق لوزارة الطاقة، أكّدت فيه أنّ لبّ المشكلة يكمن في صعوبة تأمين الدولارات لدفع ثمن الشحنة الذي زاد بفعل ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مقارنة بين الفترة التي تم خلالها طلب الشحنة وبين فترة وصولها. ووفق الوزارة "كان السعر المقدر نحو 24 مليون دولار وأصبح نحو 51 مليون دولار"، ذلكَ قبل نحو شهر. وعدم إفراغ الحمولة يراكم أكلافاً على الخزينة العامة كلّما ارتفع سعر النفط، ويضاف إلى ذلك غرامات تأخير الإفراغ التي لامست الـ 1.2 مليون دولار حتى الآن، وهي معرّضة للارتفاع مع مواصلة تأخير التفريغ. وتوجّه أصابع الاتهام نحو وزارة الطاقة التي طلبت الشحنة قبل فتح الاعتماد المالي. وهذا ما يضع الوزارة في خانة ترتيبها أعباء مالية كانت الخزينة في غنى عنها.
في المقابل، تقول مصادر في الوزارة، إنّ "الوزارة طلبت الشحنة بناءً على توافر المال لدى الجيش، وهو الجهة التي طلب الشحنة وتشتريها له الوزارة. إلاّ أنّ مصرف لبنان لم يؤمّن الدولارات المطلوبة". وتشير المصادر في حديث لـِ "المدن" إلى أنّ الوزارة تتابع الموضوع مع مصرف لبنان "الذي يبحث سبل تأمين الدولارات. ما يعني أنّ المشكلة ليست لدى الوزارة". وترى المصادر أنّ "ما يحصل في هذا الموضوع هو مؤشّر خطير للمرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى تأمين الفيول وإنما على مستوى ملف الشراء بشكل عام".
معضلة البواخر
تختلف الأسباب، لكن المشكلة واحدة، وهي عدم انتظام آلية طلب الشحنات وتوفير الأموال اللازمة للدفع، بعيداً من جدلية عدم توفّر الاعتمادات بالمطلق، أو توفّرها بالليرة وتأخير تحويلها إلى دولار، فالنتيجة واحدة بالنسبة إلى الخسائر المترتّبة على المالية العامة. لأنّ الخسائر المتراكمة بفعل تغيّر الأسعار عالمياً، تبقى موجودة، ويضاف إليها أكلاف غرامات التأخير.
ومشكلة ناقلة النفط BASILIS L الراسية قبالة طرابلس، ليست يتيمة، إذ سبق أن وصلت عشرات الناقلات إلى المياه اللبنانية وانتظرت إفراغ حمولتها. والغالبية العظمى من تلك الناقلات، حملت الفيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان التي امتهنت مع وزراء الطاقة المتعاقبين طلب شحنات الفيول قبل البتّ بسلفات الخزينة التي ستموِّل الشحنات. واللافت أنّ المبالغ المتراكمة على الخزينة، لم تُستَرَد من مال الوزراء الذين طلبوا الشحنات قبل التأكّد من توافر الاعتمادات المالية، وذلك خلافاً للمادة 57 من قانون المحاسبة العمومية التي تنصّ على عدم جواز عقد أي نفقة إلاّ إذا توافر لها اعتماد في الموازنة العامة. وكذلك، لم تُنَفَّذ المادة 112 من القانون نفسه، بحقّ أحد، وهي تنصّ على أن يتحمّل الوزير "من ماله الخاص، مسؤولية ما يرتّبه من نفقة غير متوافر لها الاعتماد أو تجاوز قيمة الاعتماد المقرَّر، في حال وجوده"، وهو ما يرى البعض أنّه ينطبق على حالة الناقلة BASILIS L ، وبالتالي يفترض على وزير الطاقة جو الصدّي تحمّل المسؤولية. لكن المصادر تؤكّد العكس، لأنّ "الوزارة لم تطلب الشحنة قبل تأمين الأموال، فالأموال موجودة لدى الجيش، لكن تحويلها إلى دولار هو المشكلة".
من بواخر الطاقة التركية إلى بواخر الفيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، إلى الباخرة الأخيرة، باتت البواخر لعنة بالنسبة للبنان. ومع تشعّبات أسباب طلب البواخر، إلاّ أنّها تلتقي جميعها عند نقطة عدم تأمين التمويل، سواء بطريقة عدم رصد الأموال أو عدم الإفراج عنها. إذ إنّ النتيجة واحدة بالنسبة للشركات التي تطالب بغرامات التأخير وبفروقات الأسعار في حال حصولها، والخاسر الوحيد هو المالية العامة.