هندسة الفوضى من السماء: لبنان في عصر الحروب المسيرة

post-img

سعيد تركي فاضل (صحيفة الأخبار)

يقر قائد الجيش الأوكراني بعجز قواته أمام المسيرات الروسية، وفي تصريح له بتاريخ 03 أيار 2026، يقول الجنرال أولكسندر سيرسكي: «تُغيّر روسيا باستمرار تكتيكاتها في استخدام الطائرات المسيّرة، فتزيد أعدادها وتحسّن جودتها. هذا يُشكّل تحديات جديدة لنا تتطلب استجابة سريعة».

في السياق نفسه، صرّح نائب قائد القوات الجوية الأوكرانية بافل يليزاروف بأن «أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية تواجه صعوبات متزايدة في التصدي للمسيرات الروسية، في ظل التطور النوعي للطائرات الروسية بدون طيار».

بعد 4 سنوات من بداية الحرب الروسية الأوكرانية في شباط من عام ٢٠٢٢، برز سلاح المسيّرات بوصفه أحد أكثر الأسلحة تأثيراً في هذه الحرب ويمكن التماس أهمية هذا السلاح من خلال الإحصاءات والأرقام، اذ يشير تقرير نشره معهد هدسون بتاريخ 13 تشرين الثاني 2025 بأن القوات الأوكرانية تتسلم وتشغل ما يقارب من ٢٠٠ ألف مسيّرة شهرياً.

نشأة سلاح المسيرات

تاريخياً، الجيش الأميركي هو اول من ادخل سلاح المسيرات في الحروب الحديثة في حرب فيتنام عام 1965، حيث نشرت الطائرات من دون طيار على نطاق واسع لأول مرة خلال هذه الحرب، وكانت مهمتها الأساسية الاستطلاع الالكتروني والتجسس.

لاحقاً، برز دور هذا السلاح في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، إذ طورت إسرائيل هذا السلاح واستخدمته على نطاق واسع للاستطلاع وتحديد مواقع الدفاعات الجوية، وقد اثبت فعالية كبيرة في المعارك وأثر في مسارها، وكان من ضمن الفعالية القتالية الكبيرة التي مكنت الجيش الإسرائيلي من الوصول حتى بيروت.

في القرن الحادي والعشرين، وبعد احداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 شهدت صناعة هذا السلاح قفزة هائلة مع دخول الطائرات المسلحة بالصواريخ، ما نقل المسيّرات إلى عصر جديد بالكامل. فسيطرت الطائرات المسيّرة على سماء المنطقة الممتدة من باكستان إلى أفغانستان، وصولاً إلى اليمن، حيث اغتالت آلاف الأشخاص، وتعلمت أنظمة التشغيل من دماء هذه الشعوب دقة الإصابة. على سبيل المثال، كان اليمن يقصف يومياً بالطائرات الأميركية المسيّرة، فتباد عائلات في مناسبات اجتماعية مثل الأعراس، من أجل قتل شخص واحد.

صناعة المسيّرات

على صعيد المشهد الدولي تعتبر الولايات المتحدة الأميركية مع الصين وتركيا وإيران مع أوكرانيا وروسيا وإسرائيل من أكبر الدول المصدرة للطائرات المسيرة في العالم.

وبذلك لم يعد سلاح المسيرات مجرد إضافة كمية لترسانة الاسلحة، بل «هندسة للفوضى» يتم من خلاله تغيير تكيتيك الحروب الحديثة بالكامل، وهو ما بدا واضحاً في معادلات الاشتباك البحري والجوي الأخيرة في منطقة الخليج وممرات الملاحة الدولية، ما يربك حسابات الردع التقليدي للجيوش ومنها الجيش الإسرائيلي الذي يقاتل في جنوب لبنان.

اليوم، نجحت المقاومة وخلال الحرب الاخيرة في تحويل هذا السلاح إلى نقطة ثقل استراتيجية، مُسقطةً فرضية «التفوق المطلق» للعدو في الأجواء. لقد تحولت السماء إلى ساحة مواجهة مفتوحة بلا خطوط حمراء، وشريكاً في مجاله الجوي.

بهذا الاختراق، أُعيد رسم معادلة الردع. فلم تعد الأجواء حكراً على إسرائيل، ما أسقط واحداً من أعمدة عمل جيش العدو الذي ركن لعقود إلى هيمنته الجوية الكاملة في حروبه مع لبنان والعرب. اليوم، باتت السماء مسرحاً لعمليات المقاومة رصداً واستهدافاً على مدار الساعة، بعدما أُدخلت تقنيات الرؤية الليلية على المُحلّقات، مما باغت الاحتلال وأحدث صدمة في منظومته الدفاعية.

كيف تم كل هذا التغير؟

أصبحت مسيرة FPV التي تكلف بضع مئات من الدولارات قادرة على تدمير او تعطيل دبابات ميركافا من الجيل الرابع والتي يصل ثمنها الى 6 ملايين دولار، أو أنظمة دفاع جوي تكلف الملايين من الدولارات، وقد تم تصوير عدد كبير من هذه العمليات لتكون وثيقة اثبات على نجاحها مما خلق معضلة اقتصادية كبيرة لجيش العدو على الأرض إضافة للخسائر البشرية التي يتكبدها يومياً في الميدان. ومن اجل ذلك طورت المقاومة هذا النوع من السلاح وجعلته يعمل عبر التخفي من خلال كابلات الألياف الضوئية لمنع التشويش اللاسلكي، وبذلك أصبحت المحلقات القتالية تُوجّه عبر تلك الكابلات الدقيقة، مما يجعلها شبه محصنة ضد وسائل الحرب الإلكترونية والتشويش وتستطيع ايضاً الوصول الى اهداف بعيدة عن مشغلها.

هذه المسيرات التي تعتبر في اقتصاد الحروب من الارخص على الاطلاق والتي تصنع محلياً بخلفيات ابتكارية وعقول محلية تعيد هندسة التوازن المالي للمعركة ليصبح الهجوم الإسرائيلي على لبنان من الأكبر على الاطلاق واقل بكثير من كلفة الدفاع (اذ استثنينا تكلفة الدمار الوحشي الذي يمارسه العدو على القرى والاهم من كل ذلك كلفة الشهداء التي ندفعها في سبيل الدفاع عن الأرض).

وهناك ميزة إضافية لهذه المسيرات الا وهي عمى الرادارات، فالمسيرات الانقضاضية الصغيرة تطير على ارتفاعات منخفضة جداً وبتضاريس ملاصقة للأرض مما يمنع رادارات المنظومات الدفاعية الكلاسيكية من رصدها حتى وإن غابت تكنولوجيا الألياف الضوئية.

ولكن بمجرد تحليق هذه المسيرات فوق موقع عسكري او نقاط تموضع للعدو يعتبر بحد ذاته جزء من الحرب النفسية التي تخوضها المقاومة ضد العدو وهو ما يزرع القلق والخوف الدائم في نفوس جنود العدو ويكسر صورة التحصين الكامل للجنود وبذلك يكون هذا السلاح أداة فعالة في التأثير على العقيدة الأمنية للعدو وهز ثقة جنوده بالتحصينات الميدانية.

لقد منحت المسيرات المقاومة المرونة الميدانية الكاملة في مواجهة العدو حيث لم تنتظر المقاومة العدو لاقتحام القرى والمدن للاشتباك المباشر معه وايقاع الخسائر بل ان سلاح المسيرات منحها المرونة اللازمة والمطلوبة لضربه على مسافات طويلة نسبياً تصل الى ما يقارب ال 50 كيلومتر مع العلم ان المسافة من قلب مدينة النبطية الى الحدود لا نتعدى ال 30 كيلومتر.

خاتمة

إن ما تشهده الجبهة اللبنانية اليوم، وما تعكسه التجربة الأوكرانية في الوقت نفسه، يشير إلى أن العالم يقف أمام تحول عسكري يشبه في أهميته دخول الدبابة إلى ساحات القتال في الحرب العالمية الأولى أو ظهور القوة الجوية في القرن العشرين. فالمسيّرات لم تعد مجرد سلاح جديد، بل أصبحت أداة تعيد تعريف مفاهيم الردع والسيطرة والتفوق العسكري، وتمنح الفاعلين الأقل كلفة والأكثر ابتكاراً قدرة متزايدة على التأثير في مسار الحروب ونتائجها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد