ضربات إيران: احتواء إسرائيل عبر أميركا

post-img

محمد خواجوئي (صحيفة الأخبار)

جاءت الضربات الإيرانية التي نُفّذت خلال اليومين الماضيين ضدّ إسرائيل لتفتح فصلاً جديداً في مسار الدعم الإيراني للمقاومة في لبنان. فأعطت طهران زمام المبادرة، وأظهرت قدرتها على المناورة في مواجهة الإصرار الأميركي على مواصلة الحصار البحري وتنفيذ ضربات متقطعة ضد مواقع إيرانية مطلّة على مضيق هرمز من جهة، ودفع إسرائيل إلى تصعيد اعتداءاتها على لبنان من جهة أخرى. ويأتي ذلك في إطار محاولة للضغط على إيران وحلفائها في «محور المقاومة» وحصرهم في زاوية ضيقة، بما يؤدي إلى إضعافهم تدريجياً ومنع تشكّل المعادلة الأمنية التي تسعى طهران وحلفاؤها إلى ترسيخها.

وعكست الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، دفاعاً عن لبنان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وفي سياق التمسك بمبدأ «وحدة الجبهات» في الحرب كما في وقف إطلاق النار، إدراكاً أمنياً وسياسياً أوسع لدى القيادة الإيرانية لمجمل التطورات القائمة.

وبحسب هذا التصور، كانت مسارات الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة، سواء على المستوى الدبلوماسي أو في الميدان العسكري، تتجه نحو حال من الجمود والانسداد. ومن هنا رأت طهران ضرورة رفع مستوى تحركها العسكري بما يتيح لها تعزيز موقعها في مفاوضات إنهاء الحرب، وفي الوقت نفسه منع تكريس المعادلة التي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرضها على إيران ومحور المقاومة.

وبعبارة أخرى، لا تريد طهران أن تتبدل صورة «إيران القوية» التي عملت على ترسيخها خلال الحرب التي استمرت أربعين يوماً، وتسعى إلى الحفاظ على صدقية تهديداتها وقدرتها على تحويلها إلى أفعال كلما اقتضت الضرورة.

من جهة أخرى، تَرسَّخ في التقدير الاستراتيجي داخل إيران أن إسرائيل، بعد ما اعتبرته نجاحاً في جبهة لبنان ضد حزب الله بوصفه أحد أبرز حلفاء طهران، قد تعود إلى فرض حرب كبرى على إيران نفسها. ومن هذا المنطلق، صارت تنظر إلى علاقتها بالحزب باعتبارها علاقة «تلازم مصيري» أكثر من أي وقت مضى.

وبعيداً عن هذا المنظور الاستراتيجي، يتمثّل أحد الأهداف التكتيكية الراهنة لإيران في ممارسة الضغط على إسرائيل واحتوائها عبر البوابة الأميركية. إذ خلصت دوائر القرار في طهران إلى أن الولايات المتحدة، بحكم حذرها من الانخراط في حرب واسعة مجدّداً، معنية بالسعي إلى احتواء التوترات بدلاً من تصعيدها.

كذلك تريد إيران، عبر تشديد إجراءاتها العسكرية في المنطقة، التأثير في شروط التفاوض مع واشنطن، وإبعاد الأخيرة عن «أهدافها القصوى»، والدفع نحو اتفاق «متوازن». وفي هذا السياق، يُنظر إلى رفع منسوب التوتّر الإقليمي بوصفه «أداة ضغط فعّالة» بيد طهران.

وكانت المفاوضات بين طهران وواشنطن، بوساطة إسلام آباد، قد شهدت خلال الأسبوعين الماضيين تقدّماً ملحوظاً. غير أن إيران لاحظت أن واشنطن بدأت عرقلة الجهود عبر إضافة شروط جديدة، من بينها فصل ملف لبنان عن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، ما أدى إلى تعقيد المشهد.

وهو ما دفع بطهران إلى قلب معادلة الضغط وتحسين موقعها التفاوضي. مع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف سينعكس تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل على مسار المفاوضات، وما إذا كانت التطورات ستقود إلى خفض التصعيد وزيادة فرص التوصّل إلى اتفاق، أم أن حال عدم الاستقرار ستبقى السمة الغالبة في المرحلة المقبلة.

ولخص رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، نتيجة المواجهة الأخيرة بالقول إن «التطوّرات في لبنان أثبتت أن الجمع بين الدبلوماسية والعمل العسكري قادر على صد الأعداء»، مضيفاً أنه «يمكن في بعض الأحيان منع الهجمات عبر تهديدات بالرد، وتجميد المفاوضات. وفي أحيان أخرى يتطلّب الأمر عملاً عسكرياً مباشراً»، معتبراً أن «المفاوضات والقتال لا يتعارضان، بل يشكّلان جزءاً من الاستراتيجية نفسها».

قاآني: حزام مقاومة أمني جديد

أعلن قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء إسماعيل قاآني أمس، أنه «سيقام حزام مقاومة أمني جديد، يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر». وقال إن «التحرك السريع والحاسم للجنود اليمنيين الأبطال يُظهر ذكاء جبهة المقاومة. وإذا لزم الأمر، سيأتي غيرهم. إنّ شرور الكيان الصهيوني وأميركا في هذه المنطقة ستُقابل بردٍّ من جبهة المقاومة الموحدة. إنّ المقاتلين بلا حدود، يُراقبون معابركم. استمروا في الهجوم، وسيُطبقون عليكم».

مجزرة الآليات الهندسية

على وقع معركة تثبيت المعادلات من إيران إلى الضاحية فشمال فلسطين المحتلة، بقيت صفارات الإنذار تدوي في المستوطنات الشمالية، وقال مراسل «القناة 12» العبرية إن «القلب يعتصر ألماً على سكان الشمال، وفي مختلف أنحاء إسرائيل الذين يعيشون في ظل واقع الحرب منذ سنوات»، مضيفاً: «لا ردع ولا ما يحزنون».

من جانبها، واصلت المقاومة الرد على محاولة العدو تشكيل «منطقة أمان» لجنوده في عمق الجنوب، فاستهدفت تجمعات لآليات وجنود جيش الاحتلال على أطراف بيت ياحون، الناقورة، الطيري، يحمر الشقيف. كما دمرت آلية اتصالات إسرائيلية في محيط قلعة الشقيف، و4 آليات لوجستية لنقل الذخائر من نوع «ألفا» بمحلّقات «أبابيل» وآلية «هامر» كانت بالقرب منها. فيما كانت المدفعية تعطل جرّافتين بصواريخ موجّهة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد