د. فاطمة علي الموسوي (صحيفة البناء)
لا يمكن فهم ظاهرة التنمّر السياسي في لبنان بوصفها مجرد انحراف لغوي أو سلوك فردي خارج عن قواعد الخطاب العام، بل باعتبارها بنية اجتماعية ـ سياسية متجذّرة تُعيد إنتاج نفسها داخل المجال السياسي والإعلامي والرقمي على حدّ سواء. فالمسألة تتجاوز حدود الخطاب غير المسؤول لتلامس طريقة اشتغال المجتمع نفسه، حيث تتحوّل اللغة إلى أداة لإنتاج الحدود بين الجماعات، وإعادة ترسيم الانتماءات، وتثبيت الانقسام كحالة دائمة.
في هذا الإطار، لا يعود الخطاب السياسي وسيلة لتبادل الأفكار أو إدارة الاختلاف، بل يتحوّل إلى فضاء لإنتاج التفوق الرمزي وإعادة توزيع الشرعيات داخل المجتمع. فالآخر السياسي لا يُقدَّم بوصفه طرفاً في نقاش عام، بل بوصفه تهديداً أو خللاً أو انحرافاً في الانتماء. وبهذا المعنى، يصبح التنمّر السياسي آلية رمزية لإخراج الخصم من دائرة الاعتراف، وتحويله إلى صورة مختزلة ومشوّهة تُبرّر الإقصاء بدل أن تتيح الفهم.
تتجلى هذه العملية بوضوح في كيفية اشتغال اللغة السياسية، حيث تتكثف مفردات التخوين والاتهام والتشكيك بالانتماء لتشكّل نظاماً تواصلياً يعيد إنتاج الانقسام بشكل يومي. فبدل أن يكون الاختلاف السياسي اختلافاً في البرامج أو الرؤى، يتحوّل إلى اختلاف في الجوهر الاجتماعي والهوياتي، ما يؤدّي إلى تسييل الحدود بين السياسي والاجتماعي والطائفي.
ولا يعمل هذا النمط من الخطاب في فراغ، بل يستند إلى بنية تاريخية ـ اجتماعية تقوم على هشاشة المجال العام وتقدّم الانتماءات الأولية على الانتماء المدني. في هذا السياق، تصبح الطائفية إطاراً إدراكياً يُستخدَم لتفسير العالم السياسي والاجتماعي، بحيث يُعاد تفسير المواقف السياسية من خلال الانتماء الهوياتي، لا من خلال مضمونها أو دلالاتها العامة.
ومع انتقال الخطاب السياسي إلى الفضاء الرقمي، تتسارع هذه الدينامية وتصبح أكثر حدّة ووضوحاً. فالمنصات الرقمية لا تعيد إنتاج الخطاب فقط، بل تضخّمه وتسرّع تداوله، ما يحوّل التفاعل السياسي إلى سلسلة من ردود الفعل الانفعالية المتبادلة. وهكذا يتراجع منطق النقاش لصالح منطق المواجهة الرمزية، وتتحوّل اللغة إلى أداة للاستفزاز والتجريح بدل أن تكون وسيلة للفهم أو التوضيح.
إنّ أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط تصاعد العنف اللفظي، بل تحوّله إلى نمط مألوف في التفاعل الاجتماعي والسياسي. فالإهانة والتخوين لم تعودا استثناءً، بل أصبحتا جزءاً من البنية اليومية للخطاب العام، ما يعني أنّ المجتمع نفسه بات يعيد إنتاج أشكال من العنف الرمزي بوصفها ممارسة عادية لا تثير الاستغراب.
وفي الحالة اللبنانية تحديداً، يتميّز هذا التنمّر السياسي بأنه لا يسير في اتجاه واحد، بل يُمارَس بشكل تبادلي بين مختلف الفاعلين. فالنخب السياسية تعيد إنتاجه عبر خطابها التعبوي، والجمهور يعيد تدويره عبر الفضاء الرقمي، والإعلام يساهم في تكثيفه عبر أساليب الاستقطاب والإثارة. وبهذا تتشكّل حلقة مغلقة من إعادة إنتاج العنف الرمزي، حيث يغذّي كلّ طرف خطاب الآخر ويعيد إنتاج منطقه.
إنّ هذا المسار يؤدي تدريجياً إلى تآكل المجال العام بوصفه مساحة مشتركة للحوار. فكلما ازداد حضور الخطاب العدائي، تراجعت إمكانية إنتاج معنى مشترك أو أرضية تفاهم بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. وبدل أن يكون المجتمع فضاءً للاختلاف المنظّم، يتحوّل إلى فضاء لتجاور الانقسامات غير القابلة للتواصل.
في المحصلة، يمكن القول إنّ التنمّر السياسي في لبنان ليس ظاهرة خطابية معزولة، بل هو تعبير مكثّف عن أزمة بنيوية في طريقة إنتاج السياسة والاجتماع معاً. إنه يعكس عجز المجال العام عن احتواء الاختلاف ضمن إطار مدني جامع، ويكشف في الوقت نفسه عن هشاشة البنية الرمزية التي يفترض أن تنظّم العلاقة بين مكونات المجتمع.
وعليه، فإنّ مواجهة هذا المسار لا تكون عبر ضبط لغوي سطحي أو تهذيب شكلي للخطاب، بل عبر إعادة بناء عميقة لفكرة المجال العام نفسه، بما يسمح باستعادة إمكانية الاختلاف دون إلغاء، والتعدّد دون تحويله إلى صراع وجودي، والاعتراف بالآخر دون تحويله إلى خصم مُجرّد من الشرعية الاجتماعية…