جاء تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن "أمن تركيا يبدأ من بيروت والشام وحلب" بمثابة إعلان استراتيجي حاسم يزيح الستار عن مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي المفتوح، تضاف إليه مواقف بالغة الدلالة أعلنها أمام الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية بأنقرة ليؤكد علانية الارتباط العضوي لدمشق وبيروت بأنقرة واسطنبول في دائرة استراتيجية تتجاوز الحدود الجيوسياسية لتصل إلى رسم خارطة لمواجهة جديدة مرتقبة في المنطقة بموازاة الحرب الأميركية - "الإسرائيلية" المفتوحة على فلسطين وإيران ولبنان، وحرص أردوغان على هذا الربط بالتحذير من أن "الهمجية "الإسرائيلية" وتجاوزها للحدود باتا يشكلان تهديدًا مباشرًا للعالم كله ولأمن تركيا بالذات، وهو ما لن تتغاضى عنه أنقرة مطلقًا".
سرعان ما جاء الرد من وزير الثقافة والرياضة الصهيوني ميكي زوهار الذي وصف أردوغان بـ"الديكتاتور" مهددًا إياه بمصير "أسوأ من إيران"، ليليه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بقوله إن "الديكتاتور المعادي للسامية أردوغان، الذي يرتكب إبادة جماعية بحق الأكراد، ويدعم منظمة حماس، ويقمع أبناء شعبه ويزج بخصومه السياسيين في السجون هو آخر من يحق له إعطاء الدروس الأخلاقية لــ"إسرائيل"".
أنقرة - "تل أبيب": العلاقة الحرجة
إن تاريخ العلاقات التركية - "الإسرائيلية" ليس شريطًا خطيًا، بل محطات ممتدة من التأرجح بين التحالف الاستراتيجي العسكري الوثيق في تسعينيات القرن الماضي، وبين العداء الأيديولوجي والجيوسياسي الذي ميّز حقبة صعود حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان.
لم تكن تركيا تقليديًا دولة معادية لـ"إسرائيل"؛ فقد كانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بالكيان الصهيوني كدولة عام ١٩٤٩. وبلغت العلاقات ذروتها من خلال "اتفاقيات التعاون العسكري والأمني" عام ١٩٩٦، والتي سمحت للمقاتلات "الإسرائيلية" بالتدرّب في الأجواء التركية، وفي المقابل وفرت لتركيا تكنولوجيا عسكرية متطورة لتحديث جيشها، وكان هذا الحلف بمثابة كماشة تحيط بسورية وإيران، وتضمن لواشنطن ضبط إيقاع المنطقة. إلا أن وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة عام ٢٠٠٢ بدأ يغير دفّة القيادة نحو العمق العربي والإسلامي، وبدأت نقطة التحول الجوهرية والعلنية في عام ٢٠٠٩ خلال منتدى "دافوس"، حيث واجه أردوغان الرئيس الصهيوني آنذاك شمعون بيريز بحدة مستحضرًا الأطفال الذين يقتلون في غزة؛ ووقعت الكارثة الدبلوماسية الأكبر في أيار ٢٠١٠ في حادثة سفينة "مرمرة" الإنسانية، التي كانت متجهة لكسر الحصار عن غزة، حيث اقتحمتها قوة كوماندوز البحرية "الإسرائيلية" في المياه الدولية وقتلت متضامنين أتراكًا، وأسفرت هذه الحادثة عن سحب السفيرين وقطع العلاقات العسكرية، ودخول البلدين في قطيعة استراتيجية لم تفلح محاولات التطبيع اللاحقة في معالجتها.
جرت محاولات براغماتية لإعادة الدفء إلى العلاقات، وكان آخرها اللقاءات الدبلوماسية في عامي ٢٠٢٢ و٢٠٢٣ المدفوعة بالمصالح السياسية، إلا أن الحرب "الإسرائيلية" الشاملة على غزة ولبنان وسورية نسفت هذه التفاهمات الهشّة كليًا، ليعود الصراع إلى مربعه العقائدي الأول؛ حيث يرى أردوغان في السلوك "الإسرائيلي" تجسيدًا لـ"إرهاب الدولة" المهدّد للأمن القومي التركي، مطلقًا تحذيره الصارم: "نعلم نواياكم وأهدافكم وغاياتكم جيدًا، وندرك تمامًا الهدف النهائي من وهم (الأرض الموعودة)، وبإذن الله لن نسمح بذلك أبدًا، ولن تتكرر مآسي التاريخ". وفي هذه النقطة بالذات ترتسم علامات استفهام كبيرة عن شكل هذه البراغماتية ونوعها خصوصا مع ما كُشف من امدادات تركية لوجستية وغذائية لـ"إسرائيل" في حمأة العدوان الصهيوني على غزة، والتي شكّلت ما يشبه طوق نجاة للمجتمع الصهيوني بعدما تأثر بالحصار الذي ضربه أنصار الله على الواردات المتجهة إلى "إسرائيل" بإقفاله مضيق باب المندب نصرة لقطاع غزة وأهلها ومقاومتها.
حرب الغاز وعقيدة الوطن الأزرق
لا يمكن فصل الموقف السياسي التركي الراهن عن النزاع الجيوسياسي المحموم في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو نزاع يتعلق بالسيادة والنفوذ وثروات تريليونات الأمتار المكعّبة من الغاز الطبيعي. وترصد أنقرة مبادرات تخريبية تقودها "إسرائيل" لتطويق تركيا من خلال بناء تحالف بحري وسياسي وعسكري يضم اليونان وقبرص اليونانية ومصر (عبر منتدى غاز شرق المتوسط)، بهدف محاصرة تركيا جغرافيًا وحرمانها من استغلال الثروات الممتدة أمام سواحلها الطويلة، وتجسد هذا الحصار في مشروع خط أنابيب "إيست ميد" (EastMed) الذي طُرح لربط حقول الغاز الفلسطينية المنهوبة بأوروبا عبر قبرص واليونان، متجاوزًا تركيا بالكامل.
ردّت تركيا على هذا الطوق عبر توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية عام ٢٠١٩، وهي الاتفاقية التي قطعت الممر البحري المفترض لخط "إيست ميد" وخلقت جدارًا قانونيًا وجغرافيًا تركيًا وسط المتوسط.
في ظل هذه المعادلات، تنظر دوائر القرار في أنقرة إلى الاندفاعة العسكرية والسياسية "الإسرائيلية" الراهنة على أنها تمهيد لفرض واقع بحري وجوي جديد بسلاح الفتنة، وهو ما جابهه أردوغان بتوجيه إنذار مباشر: "لا ينبغي لأحد أن ينجرف وراء هذه المغامرات في المتوسط، وإذا ما تعرضت حقوق وقوانين تركيا والقبارصة الأتراك للتهديد في شرق المتوسط، فإن ردنا سيكون واضحًا وحاسمًا للغاية".
الهيمنة الأميركية وضرب "المحور الشيعي - السني"
لا يمكن فهم أبعاد المواجهة المحتملة بين تركيا و"إسرائيل" دون ربطها بالسياق الأوسع للمشروع الأميركي- "الإسرائيلي" في المنطقة، والذي يهدف إلى تفكيك مراكز القوة الإقليمية وإعادة صياغتها بما يضمن تفوقًا ونفوذًا مطلقًا للكيان الصهيوني. ويتأسس هذا المشروع التوسعي على ركيزتين أساسيتين تسيران بالتوازي لضرب ركائز العالم الإسلامي عبر استهداف "محوريه الشيعي والسني" معًا في آن واحد. ففي الجانب المتعلق بضرب "المحور الشيعي" الذي تقوده إيران وفق التعبير الأميركي، تركز واشنطن و"تل أبيب" على إنهاء القدرات العسكرية لطهران وتدمير حركات المقاومة الممتدة من اليمن والعراق وصولًا إلى فلسطين ولبنان، وإجهاض قدرة هذا المحور على تشكيل أي تهديد لـ"إسرائيل" وعرقلة مشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة. أما في الجانب المتعلق بتفكيك القوى السنية الكبرى وفي مقدمتها تركيا، فإن الهدف يتلخص في منع صعود أي إسلام سياسي تنموي مستقل يمتلك القدرة للتمرّد على الإملاءات الغربية، وتطويق تطلعات تركيا العسكرية وطموحاتها المتنامية.
تلتقي هاتان الركيزتان عند غاية نهائية واحدة وهي إفساح المجال لولادة مشروع "إسرائيل الكبرى" وهراءات "الأرض الموعودة" التي ندّد بها أردوغان، والتي تسعى لفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية الشاملة، وتحقيق التوسع الجغرافي والسياسي من النيل إلى الفرات.
تنطلق الرؤية الاستراتيجية لكل من واشنطن و"تل أبيب" من قناعة راسخة تقضي بضرورة منع قيام أي قطب إقليمي قوي ومستقل في الشرق الأوسط، بغض النظر عن هويته المذهبية أو الفكرية. فعلى مستوى "المحور الشيعي" يتعامل الحلف الأميركي - الصهيوني مع إيران وحلفائها بكونهم التهديد العسكري المباشر والمادي الذي يجب تفكيكه عبر العقوبات الاقتصادية والاغتيالات المنظمة، والضربات العسكرية المباشرة لإنهاء "قوس النفوذ" الممتد من طهران إلى ضفاف المتوسط في بيروت.
أما على مستوى المحور السني فيمثل الصعود التركي كقوة عسكرية وصناعية ذات تطلعات إسلامية استقلالية خطرًا استراتيجيًا طويل الأمد على مشاريع الهيمنة الغربية، وترى واشنطن و"تل أبيب" في نموذج "الإسلام السياسي والتنموي" الذي تمثله تركيا تحديًا قادرًا على حشد الشعوب العربية والإسلامية وإعادة إحياء الهوية الإسلامية الجامعة ضد التغلغل الصهيوني. لذلك، فإن الاستراتيجية الأميركية - "الإسرائيلية" تسعى إلى "ضرب المحورين" بالتوازي عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
طموحات نتنياهو ومشروع "إسرائيل الكبرى"
يعيش بنيامين نتنياهو وحكومته الإرهابية هاجس تحقيق ما يسمّونه "الخارطة الجديدة للشرق الأوسط"، مستندين إلى الدعم الأميركي اللامحدود. ويتقاطع هذا الطموح مع البعد الأيديولوجي العقائدي لمشروع "إسرائيل الكبرى" الذي لا يقتصر بالضرورة على التوسع الجغرافي المباشر بضم الأراضي، بل يمتد ليشمل الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية المطلقة وسحق كافة الجيوش والكيانات المحيطة وتحويلها إلى دويلات قزمة مفتتة على أسس طائفية وعرقية.
في هذا السياق، تصبح تصريحات أردوغان الحاسمة بأن "سورية ولبنان دولتان مستقلتان، لكن لا يقتصر أمن تركيا على أرض الوطن بل يمتد أيضًا إلى حلب ودمشق وبيروت"، بمثابة خط أحمر يواجه تمدّد النفوذ "الإسرائيلي" نحو الشمال، وهذا ما يفسر حدّة الرد "الإسرائيلي" الذي يتوعّد القيادة التركية، كونها تقف حجر عثرة أمام "الهيمنة التوراتية" المزعومة وتفضح مساعيها التوسعية. بموازاة ذلك تشكّل سورية "قلب العقبة" والساحة الأساسية لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، فأردوغان يدرك تمامًا أن سورية هي المكان الذي ستتقاطع فيه النيران التركية و"الإسرائيلية" وسط ازدحام عسكري على الأرض السورية غير مسبوق في التاريخ الحديث؛ فسورية اليوم تحولت إلى مسرح معقد تتداخل فيه مصالح القوى الرئيسية وتتقاسم النفوذ والأهداف على الأرض السورية؛ فمن جهة تسعى "إسرائيل" (وفق ادعاءاتها) إلى منع تثبيت أي وجود عسكري لإيران أو حزب الله، تكثف غاراتها الجوية لقطع خطوط الإمداد اللوجستي، مع إصرار على إضعاف النظام السوري الجديد لمنعه من الاستقرار وابقائه كيانًا هشًا وضعيفًا قابلًا للسقوط حين الحاجة. وفي المقابل، تتواجد تركيا عسكريًا في الشمال السوري بهدف أساسي يكمن في منع قيام كيان كردي مستقل وضمان أمن حدودها الجنوبية.
إلا أن الموقف التركي تبلور اليوم في رؤية أوسع وأشمل؛ حيث أكد أردوغان أن هجمات "إسرائيل" على سورية ولبنان وصلت إلى مرحلة باتت تهدد تركيا نفسها، معلنًا: "لن نسمح بفرض أمر واقع في بلدان أشقائنا ولن نتغاضى عن أي هجمات تستهدفهم لأنهم مهمون لأمن بلادنا"، ما يعني أن أنقرة لن تسمح لـ"إسرائيل" بإحداث فراغ استراتيجي في دمشق يهدد العمق التركي المباشر.
من جهتها، تحتفظ الولايات المتحدة الأميركية بهيمنتها على الأحداث وإبقاء سيطرتها على منابع النفط والقمح السوري، وتقدم الدعم العسكري والسياسي المطلق لقوات سورية الديمقراطية (قسد) بهدف استنزاف الدولة السورية وحلفائها. هذه القوات الكردية (قسد) تحاول بدورها الحفاظ على إدارتها الذاتية بدعم أميركي، وتناور في الوقت ذاته بين النظام السوري وروسيا لحمايتها من أي عملية عسكرية تركية محتملة.
في عمق المشهد، تمسك روسيا بالشرعية الجوية والعسكرية للدولة السورية في مناطق واسعة، ساعية للحفاظ على قواعدها في طرطوس وحميميم على الساحل السوري، وموازنة علاقاتها المعقدة بين تركيا و"إسرائيل" لمنع انفجار الصراع الشامل.
سيناريو المواجهة في سورية
إذا قررت "إسرائيل" توسيع عملياتها العسكرية في سورية لتشمل هجومًا بريًا واسعًا أو محاولة لإسقاط النظام في دمشق، فإن هذا السيناريو سيضع الأمن القومي التركي في خطر داهم ومباشر بناءً على محددين:
أولًا: سينجم عن ذلك اندلاع فوضى عارمة تؤدي لتدفق ملايين اللاجئين الجدد نحو الحدود التركية المنهكة اقتصاديًا.
ثانيًا: ستمنح الفوضى الناتجة فرصة ذهبية للمجموعات المسلحة الكردية لتوسيع نفوذها وإعلان كيان مستقل على حدود تركيا الجنوبية، وهو ما تعتبره أنقرة سببًا مباشرًا للحرب.
لذلك، فإن المواجهة التركية - "الإسرائيلية" على أرض سورية قد لا تبدأ بصدام مباشر بين جيشين نظاميين في البداية، بل من خلال اصطدام المصالح الحاد؛ حيث قد تجد تركيا نفسها مضطرة لدعم فصائل معينة أو التدخل العسكري المباشر لفرض "مناطق عازلة" تمنع تمدّد الجيش الإسرائيلي شمالًا، ما يجعل خطوط التماس في سورية برميلًا متفجرًا قابلًا للانفجار في أي لحظة.
في المقابل تبين الوقائع الميدانية الصلبة في لبنان وإيران أن هذه المخططات تصطدم بحجر عثرة صلب يمنع ترجمتها على أرض الواقع، وأهمها:
- الواقع الميداني في لبنان: فقد أثبتت المقاومة الإسلامية أن الحسابات النظرية الإسرائيلية تختلف جذريًا عن الحقائق الميدانية المعقدة. فعلى الرغم من العدوان الهمجي الصهيوني الذي يطال البشر والحجر والضربات القاسية التي تعرضت لها المقاومة واستهدفت بناها التحتية والبيئة الحاضنة، أظهرت المقاومة قدرة استثنائية على الصمود وإعادة التموضع والتحكم العملياتي والانتقال إلى المبادرة والفعل.
- معادلة الردع الميداني: حيث يدرك العدو الصهيوني أن أي محاولة للاجتياح البري الشامل لجنوب لبنان أو التقدم نحو العاصمة بيروت ستكبّده خسائر كبيرة جدًا مادية وبشرية تسهم في زيادة حجم النزف الحاصل اليوم مع تطوير المقاومة تكتيكاتها في الدفاع والهجوم، وهذا ما يسقط هدف نتنياهو الرئيسي بإعلان "النصر الحاسم"، ويجعل من الجبهة اللبنانية استنزافًا دائمًا للقدرات البشرية والاقتصادية ويسقط الروح المعنوية للكيان، ما يعطّل تفرغه لتنفيذ مشاريع تمدّد أوسع باتجاه سورية أو مواجهة تركيا.
- الواقع الميداني في إيران: تكشف المواجهة الأميركية - "الإسرائيلية" مع إيران عن حدود القوة الغربية وأوهام السيطرة السريعة، فإيران ليست جغرافيا صغيرة أو جزيرة معزولة يمكن محاصرتها أو إسقاطها بضربة جوية خاطفة؛ بل تمتد على مساحة شاسعة وتضاريس جبلية وعرة شديدة التعقيد، وتمتلك ترسانة صاروخية باليستية مرعبة وشبكات طائرات مسيّرة مصنعة محليًا بالكامل، وموزعة في "مدن صاروخية" محصنة في أعماق الجبال وتحت مئات الأمتار من الخرسانة المسلحة. وتعتمد استراتيجية إيران العسكرية على نقل المعركة فورًا إلى مياه الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز، ما يعني أن أي حرب شاملة عليها ستؤدي فورًا إلى شلل تام في إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع جنوني في أسعار النفط، وهو ما تخشاه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والتضخم الدولي الراهن. بالتالي، فإن معادلة الردع الإيراني المتبادل تجعل من "الحرب الشاملة" مغامرة غير مضمونة النتائج وكارثية العواقب لواشنطن و"تل أبيب"، ما يبقي الصراع في إطار الضربات المتبادلة دون القدرة على حسمه لتمرير مشروع الهيمنة الكامل.
الصراع من الحروب بالوكالة إلى الأصالة
تؤكد تصريحات أردوغان الحادة والرد "الإسرائيلي" العنيف عليها أن المنطقة قد غادرت قواعد اللعبة القديمة وتتجه نحو مرحلة "صدام الأصلاء" بعد عقود طويلة من "الحروب بالوكالة"، كما أن إدراك القيادة التركية أن أمن أنقرة ومستقبلها السيادي يبدأ من بيروت والشام، وتحذيرها من أنه "إذا لم يتم إيقاف همجية إسرائيل فإن العالم كله سيتحمل النتائج"، يعكس رؤية استراتيجية عميقة للمخطط الأميركي - "الإسرائيلي" الذي لن يتوقف عند حدود فلسطين التاريخية أو الجبهة اللبنانية في حال نجاحه بتدمير حلف المقاومة وتدجين المنطقة.
مع ذلك، فإن صمود الجبهات الميدانية الصلبة في لبنان وإيران يشكل الصخرة الأساسية والضمانة الوجودية التي تحول دون تحقيق أوهام مشروع "إسرائيل الكبرى" أو فرض الهيمنة الأميركية المطلقة، كما أن تداخل المصالح التركية الحيوية مع هذه المحاور الإقليمية لمنع التمدد الصهيوني يفتح الباب على مصراعيه أمام ولادة تحالفات ضرورية وصياغة قواعد اشتباك جديدة في الإقليم، وهذه المعادلات الميدانية والسياسية المعقدة هي التي ستحدد في نهاية المطاف وجه الشرق الأوسط القادم الذي تصوغه بنادق المقاومين في الميدان وحسابات الأمن القومي للقوى الإقليمية الكبرى الرافضة للخضوع والتبعية.