قبل أن يجلس عشرات آلاف الطلاب ليؤدوا امتحاناتهم الرسمية، يبدو أن أول من رسب في امتحان "التربية" هي وزيرة التربية نفسها. إذ إن الإصرار على إجراء الامتحانات، في ظل الحرب واعتداءات العدو الإسرائيلي المستمرة، يكشف خللًا عميقًا في فهم الفلسفة التي تقوم عليها الوزارة التي تتولى إدارتها.
ليست مصادفة أن يُقدّم مفهوم "التربية" على "التعليم"، في اسم الوزارة. التربية التي تعني بناء الإنسان وحماية كرامته وتحصين شخصيته وقيمه النفسية والأخلاقية، تسبق التعليم الذي يشكل الوسيلة أو الأداة لاكتساب المعرفة والمهارات. بالتالي، فإنّ أي مسؤول تربوي يتوجّب عليه أن يكون مدركًا بأنّ سلامة الطالب وواقعه الإنساني والنفسي تتقدم على الامتحان والدرجة والشهادة.
إلا أن إصرار وزارة التربية والتعليم العالي على إجراء امتحانات الشهادة الثانوية العامة، على الرغم من الظروف الأمنية الاستثنائية التي يعيشها لبنان، يعيد طرح سؤال جوهري: هل ما تزال الوزارة تتعامل مع الطلاب بصفتهم بشرًا يحتاجون إلى الرعاية والحماية، أم مجرد أرقام في جداول الامتحانات ومراكز التقويم؟
المعضلة، هنا، لا ترتبط بموعد امتحان أو آلية تقويم، بقدر ما تتعلق بمفهوم التربية نفسه. إذ تختزل مهمة الوزارة في حماية روزنامة الامتحانات مع تراجع ملحوظ لأي من المعايير الإنسانية والنفسية إلى المرتبة الثانية، وهنا يصبح السؤال مشروعًا عما إذا كانت المؤسسة التربوية قد فقدت البوصلة التي تميز بين بناء الإنسان وإدارة الأوراق؟
مع تجاهل واقع آلاف الطلاب الذين يعيشون تحت ضغط النزوح والخوف وانعدام الاستقرار، في وقت يفترض فيه أن تكون الوزارة الملاذ الأول لحماية حقوقهم التعليمية والإنسانية معًا، تزداد حدة الانتقادات. التربية، في أبسط مبادئها، لا تبدأ من قاعة الامتحان، بل من الإحساس بمعاناة الطالب والحرص على أمنه وكرامته قبل أي معيار آخر.
في وقت يشهد فيه الجانب التربوي في لبنان هذا التشدد والتعنّت الإداري، تُظهر العديد من تجارب الدول التي واجهت حروب وكوارث، كيف أن الأنظمة التعليمية الأكثر تقدمًا لم تتردد في تعديل قواعد التقويم أو إلغاء الامتحانات أو اعتماد بدائل مرنة، في الكثير من الحالات التي تعارضت الإجراءات الأكاديمية مع سلامة الطلاب وعدالة الفرص بينهم.
وعليه؛ فإن ما يجري، اليوم، لا يمكن التعامل معه على أنه انتصار للتعليم، بقدر ما يعكس تراجعًا لدور التربية نفسها، ويطرح تساؤلًا بالغ الحساسية: كيف يمكن للوزارة التي تحمل اسم "التربية والتعليم" أن تمنح الأولوية للامتحان؛ فيما يعيش قسم من طلابها تحت تهديد الخوف والنزوح والاستهداف اليومي؟