محمد شقير (صحيفة الأخبار)
تثير دعوة الشيعة إلى الدولة، بأساليب ومبررات مختلفة، الكثير من الاستغراب، وتنطوي على أكثر من دلالة وسؤال، لكن ما ينبغي أن يعلمه أصحب الدعوة هو أن الحلم الأكبر لدى أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، أن يكون لديهم دولة، بكل ما للكلمة من معنى. بل إن أبناء هذه الطائفة هم أكثر الناس توقاً إلى الدولة، لأنهم من أكثرهم حرماناً من فقدها، ولأنهم من أكثر من دفع الأثمان والتضحيات لغيابها، وإهمال المسؤوليات والوظائف التي تحقق معناها وحقيقتها.
ونلفت بدواً إلى أننا، وإن كان موضوع مقالتنا الطائفة الإسلامية الشيعية، تساوقاً مع مُخاطَب تلك الدعوات، لكن ما نعنيه منها هو: كل من ينتمي إلى وعي الحرية، والسيادة الحقيقية، والكرامة الوطنية، والدولة بمعناها الحقيقي، وفلسفتها الوظيفية، أي الدولة العادلة القادرة والمسؤولة.
وبما أن هذه الدعوات تستند إلى رؤية، وتنطوي على نقدٍ وتمنٍّ، أرجو أن يتسع صدر تلك النخب والجهات التي تطلقها لنقدٍ وتمنٍ مقابلين، لأقول: إن هذه الدعوة تختزن أكثر من خللٍ في أمور ثلاثة:
1. في وعي هؤلاء للذات، فعندما تدعو مكوّناً ما إلى الدولة، فهو إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على أن مطلق هذه الدعوة، يرى ذاته في وعيها وحضورها ورؤيتها… أنها هي التي تمثل الدولة حصراً، وفي هذا نزعة احتكارية للدولة، عندما تصبح لدينا فئة ما، ترى في وعيها أنه الوحيد الذي يمثل الدولة.
ومن هنا يبدأ القطع مع الآخر، والعجز عن إيجاد كلمة سواء معه، أو جسر تواصل مع وعيه، وآماله، وآلامه، وهواجسه، وما يطمح إليه.
وعليه، يكون حبس الدولة في الذات الفئوية، هو المانع الأساس الذي يحول دون العبور إلى الدولة، لأن هذه النزعة الاحتكارية للدولة، هي مجرد تعبير عن خللٍ وعطبٍ كبيرين لدى هؤلاء، يتجاوز مجرد الرؤية إلى الدولة وغيرها، وليس هنا محل بحثه.
2. في وعي الآخر، وهو هنا الطائفة الشيعية، بأحزابها ونخبها وناسها… فعندما تحبس فئةٌ ما الدولةَ في ذاتها، فهي حكماً تُخرج الآخر -وهو هنا الطائفة الشيعية- من الدولة، أي نصبح أمام مشهدية مفادها: الذات داخل الدولة، والآخر خارج الدولة، وأنه ليس لهذه الذات إلا أن تُوجّه الآخر، وتُرشده، وتعظُه، وتُملي عليه كيف يأتي إليها(إلى دولتها)، ليَدخُل في هذه الدولة ونعيمها، ويعبُر من ذاته إليها؛ ولا يبقى لهذا الآخر إلا أن يستمع إلى نصائح حكماء الدولة هؤلاء، ويرتضي تعاليمهم، ليثبت لهم أنه جدير بالدخول إلى هذه الدولة وجنّتها، إذ فرقٌ بين دعوة مفادها: تعالوا إلى دولتي أنا، وبين دعوة مفادها: تعالوا إلى دولةٍ سواء، أي تعالوا إلى أن نبني سوية وعينا للدولة، و رؤيتنا لها، وخطى مشروعها، الذي يكون لجميع أبنائها، ويحميهم جميعهم، ويقف على أبعد هواجسهم، وجميع تطلعاتهم، دون تمييز أو حيف.
لقد كان المسلمون الشيعة يعانون في سابق الدهر من تكفير مذهبي، يخرجهم من الملّة، فأضحوا اليوم يعانون من تكفير سياسي، يخرجهم من الدولة، وهو ما يمثل نوعاً من أخطر أنواع التكفير السياسي الذي يمارسه هؤلاء، عندما يخرجون طائفة ما من أن تكون داخل الدولة ووعيها ومشروعها، لمجرد الاختلاف معها؛ وهو ما يمثل أيضاً عطباً أساسياً آخر، يحول دون العبور إلى الدولة واستعادتها.
3. في وعي الدولة، أي في وعي هؤلاء لمعنى الدولة وحقيقتها، إذ إنهم يريدون (دولة) غير مكتملة الأركان، أو (دولة) تحاكي مصالح فئة قليلة من أصحاب النفوذ فيها، ولا يريدون دولة تعبّر عن المعنى الحقيقي والوظيفي للدولة، أي دولة تعبّر عن تطلعات أبنائها وحاجاتهم، وتمتثل لواجباتها ومسؤولياتها نحوهم، دولة ميزانها ومعيارها مصالح شعبها، وسيادتها، وكرامتها، ومصالحها القومية، وأمنها القومي.
ومن يتأمل في هذه الدعوات والواقع المرتبط، يجد أمرين:
الأول: إن هذه الدعوات مفارقة للواقع، لأن الشيعة هم جزء من هذه الدولة، وليسوا خارجها.
الثاني: إن مغزى هذه الدعوات هو المقاومة وسلاحها، وهنا بيت القصيد، الذي يجعلنا نعتقد أن كل هذه الدعوات غير صادقة في إرادة الدولة وبنائها.
وبيان ذلك أن المقاومة في لبنان -مثل جميع المقاومات في التاريخ- هي بديلٌ اضطراري لفراغ وظيفي في الدولة، وتحديداً في قضية الدفاع عن الوطن وتحريره. أي إن الذي يحصل في حالة امتناع الدولة عن الدفاع لأحد عدمين، إما عدم القدرة، أو عدم الإرادة، أو كليهما، يبادر الشعب إلى تعويض هذا النقص بالمقاومة. أي إن مبادرة الشعب، هنا، تعبّر عن أرقى معاني الدولة ومسؤولياتها الوطنية.
وعليه، لو كان لدى هؤلاء ودعواتهم، من صدق في إرادة الدولة وبنائها، لكان عليهم:
أولاً: تقدير المقاومة، واحترام دورها، والتمسك بها، لأنها البديل الأرقى في معاني الشرف والسيادة والكرامة الوطنية، الذي لا غنى عنه، طالما هناك فراغ وظيفي في الدولة، في الدفاع عن الوطن وحمايته.
ثانياً: لو كان منطق هؤلاء: نحن نريد الدولة، ومن أجلى معاني الدولة ووجودها الدفاع والحماية، وطالما أنها عاجزة -بمعزل عن الأسباب- عن هذا الدور المقدّس وطنياً، والذي لا يستغنى عنه في حقيقة الدولة وتحقّقها؛ فنحن نريد أن نعمل، معاً، بصدق ومسؤولية وطنية، لجعل الدولة قادرة على الدفاع والحماية ومواجهة التحديات، وإلى أن نصل إلى مصافّ الدولة ودورها هذا، تعالوا نتفق كيف تكون إمكانيات المقاومة في خدمة هذه الدولة والدفاع عنها؛ لو كان هذا هو منطق هؤلاء وخطابهم، لقلنا إنه منطق دولة حقاً، وخطابها صدقاً؛ لكن ليس هذا منطق هؤلاء، لأن منطقهم هو: فلنتخلَّ عن المقاومة وسلاحها ، ولتبق الدولة عاجزة عن حماية نفسها والدفاع عن سيادتها وكرامتها وأرضها وإنسانها؛ وأما السؤال الوطني الجوهري والمقدّس، الذي يعبّر عن أساس الدولة وأسّها، وحقيقة وجودها وتحقّقها، وهو: كيف ندافع بقوانا الذاتية عن الدولة والوطن والإنسان، أمام كيان عنصري توسّعي إجرامي، يريد شراً بنا، وهيمنة علينا، وطمعاً بأرضنا وخيراتنا؛ فهو السؤال الذي لا جواب عليه لدى هؤلاء، بل هو السؤال الذي لا وجود له في وعيهم، وقاموسهم، ومشروعهم.
والسبب أنه فرق بين من يرى في وطنه متجراً، وباباً للكسب؛ وبين من يرى في وطنه قداسة، ترخص لها أغلى التضحيات. والدليل هو زمن التحديات والأخطار الكبرى التي يمرّ بها الوطن، إذ هناك من يبخل بكلمة خَجلى، أو موقفٍ حقّ، وهناك من يضحّي بأجمل شبابه، والغالي من دمائه، والنفيس من ماله، دفاعاً عن وطنه، وصوناً له من دنس الاحتلال وتوحشه؛ فمن الذي يعبّر عن حقيقة الدولة، وثمالة الوطن، في هذا الحال؟ أنتم ودعوتكم، أم خلاصة الوطنية والتضحية والكرامة، التي يحكيها شباب هذا الوطن، ومقاوموه، بأجمل الصور، وأرقى المعاني، وأشرف التجليات؟
أختم أخيراً بدعوة هؤلاء إلى الخروج من عوائق الدولة لديهم، وخصوصاً الصورة الشوهاء عن الدولة التي تعشعش في وعيهم، لأقول لهم: تعالوا إلى دولة سواء، يسودها العدل. وأجلاه أن نستوي في الحقوق والواجبات فيها؛ معاً نصنع وعيها، وسوية نسوسها، ويستغضبنا الدفاع عنها، وأن نحمي إنسانها.