بري يضع النقاط على الحروف: طريق إنهاء الحرب يمرّ من إسلام آباد لا من تل أبيب

post-img

عباس المعلم (صحيفة البناء)

يشكّل بيان الرئيس نبيه بري بُعداً سياسياً بالغ الأهمية في قراءة المشهد اللبناني الراهن، ليس فقط لجهة تفسير ما يجري اليوم، بل أيضاً لجهة استشراف المسار الذي قد تتجه إليه التطورات خلال المرحلة المقبلة. فالبيان لم يأتِ بوصفه موقفاً عابراً أو تفصيلاً بروتوكولياً، بل حمل في مضمونه إشارات سياسية واضحة إلى طبيعة التحوّلات الجارية في الإقليم، وإلى الفرص التي باتت متاحة أمام لبنان للخروج من واحدة من أخطر المراحل التي عرفها منذ عقود.

فعلياً، قدّم بري مخرجاً سياسياً للسلطة التي اندفعت خلال الأشهر الماضية نحو تقديم تنازلات مجانية لـ “إسرائيل” تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية، وفي الوقت نفسه فتح نافذة جدية لتصويب المسار عبر الاستفادة من التفاهم الأميركي ـ الإيراني الذي أخذ يتبلور تدريجياً بوصفه أحد أهم المتغيّرات الإقليمية في المرحلة الحالية.

ومن هنا جاء شكره لكلّ من إيران والولايات المتحدة على إدراج بند وقف الحرب على لبنان ضمن مذكرة التفاهم التي أُبرمت في إسلام آباد، باعتبار أنّ هذه الخطوة لا تمثل مجرد تفصيل تفاوضي، بل تؤسّس لقاعدة سياسية جديدة تضع إنهاء العدوان الإسرائيلي وانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية ضمن إطار تفاهم دولي وإقليمي أوسع، الأمر الذي يمنح هذا المسار عناصر قوة إضافية لم تكن متوافرة في السابق.

واللافت أنّ دولاً عديدة في المنطقة والعالم سارعت إلى التقاط هذا التحوّل والتفاعل معه بإيجابية واضحة. فعدد من العواصم الأوروبية المؤثرة رأت في التفاهم الأميركي – الإيراني فرصة نادرة لإعادة ضبط التوترات التي هزّت الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، فيما أبدت قوى دولية وإقليمية استعدادها للانخراط في أيّ مسار من شأنه تثبيت الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة نحو جولات جديدة من الحروب المفتوحة.

أما دول الخليج العربي، التي لم تكن بعيدة عن تداعيات المواجهة الإقليمية، فقد تلقفت هذا التفاهم بسرعة لافتة. فهذه الدول وجدت نفسها خلال الأشهر الماضية في قلب المشهد الأمني والعسكري، بعدما تحوّلت القواعد والمنشآت الأميركية الموجودة على أراضي بعضها إلى أهداف للقصف الإيراني المتكرّر في سياق المواجهة الدائرة في المنطقة. ومن هذا المنطلق، لم يكن مستغرباً أن تبادر هذه الدول إلى الترحيب بالتفاهم الجديد، وأن تعلن بصورة مباشرة أو غير مباشرة استعدادها لتوفير مختلف أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والمالي لإنجاحه، انطلاقاً من إدراكها أنّ استقرار لبنان يشكل جزءاً من استقرار الإقليم بأسره.

في المقابل، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً داخل لبنان نفسه. ففي الوقت الذي تتعامل فيه قوى إقليمية ودولية مؤثرة مع هذا المسار بوصفه فرصة استراتيجية لوقف الحرب وإنهاء الاحتلال وفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، لا يزال جزء من السلطة اللبنانية وبعض أحزاب اليمين يتصرف وكأنّ شيئاً لم يتغيّر في المشهد الإقليمي. فهذه القوى ما زالت تتمسك بخيارات أثبتت الوقائع فشلها، وتواصل الدفع باتجاه وضع لبنان في سلة الاستسلام المطلق للشروط “الإسرائيلية”، بدلاً من الاستفادة من فرصة سياسية نادرة قد تكون الأقوى منذ سنوات طويلة.

والأكثر دلالة أنّ هذا التحوّل لم يأتِ نتيجة ضغوط لبنانية داخلية، بل جاء نتيجة إدراج إيران بصورة واضحة مطلب وقف العدوان على لبنان وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب ضمن التفاهم مع الولايات المتحدة، وهو ما قبلت به واشنطن وسارت به ضمن التفاهمات الناشئة. وهذا بحدّ ذاته يشكل تطوّراً سياسياً لا يمكن التقليل من أهميته، لأنه للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب يصبح وقف العدوان وإنهاء الاحتلال جزءاً من مقاربة إقليمية ودولية أوسع، وليس مجرد مطلب لبناني معزول يفتقر إلى عناصر القوة والضغط.

ومن هنا تكتسب مواقف الرئيس بري أهمية إضافية، لأنها تنطلق من قراءة واقعية لموازين القوى والتحولات الجارية، وتؤكد أنّ الطريق الأقصر لحماية لبنان لا يمرّ عبر مزيد من التنازلات أو الرهانات الخاسرة، بل عبر استثمار المتغيّرات الدولية والإقليمية بما يخدم المصلحة الوطنية العليا. فالحروب تنتهي عادة عندما تتقاطع المصالح الكبرى، وما يجري اليوم قد يكون واحداً من تلك اللحظات النادرة التي تتيح للبنان الخروج من دائرة الاستنزاف إذا أحسن قراءة المشهد والتقاط الفرصة قبل أن تضيع…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد