لمام لـ"الديار": احترام الحدود الشخصية ليس أنانية بل أساس العلاقات الصحية

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

في مجتمعٍ باتت فيه الخصوصية مستباحة، لم تعد الحياة الشخصية شأنا يخص أصحابها وحدهم فالأسئلة عن الزواج والإنجاب، والراتب، والعمل، والخلافات العائلية، وحتى أدق القرارات الشخصية، تطرح وكأن الإجابة عنها حق للآخرين لا خيار لصاحبها والمفارقة أن بعضهم يمنح نفسه حق التدخل في تفاصيل حياة الآخرين، بينما يرفض أي سؤال يطال حياته الخاصة تحت شعار "هذه خصوصياتي". ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اتسعت مساحة التدخل، وتحولت تفاصيل الحياة الخاصة إلى مادة للنقاش وإطلاق الأحكام، ما يضع كثيرين تحت ضغط دائم لكشف ما يفضلون إخفاءه أو تبرير خياراتهم.

من أعطاك الحق؟

المدربة المتخصصة في الحاجات العلائقية في جمعية "إثراء لبنان" سيلفيا لمام والمدربة المعتمدة من الاتحاد الدولي للمدربين، والممارسة المعتمدة من معهد العلاقات الأسرية أكدت لـ"الديار" أن "ضعف احترام الحدود الشخصية يعود إلى تراكمات تربوية وثقافية، إذ اعتبر وضع الحدود مع الآخرين، لسنوات طويلة، نوعا من القسوة أو الأنانية، بينما هو في الحقيقة وسيلة لحماية العلاقات وتعزيزها لا لإنهائها"، مضيفة "الخصوصية في العصر الرقمي باتت بالنسبة إلى كثيرين ترفا يصعب الحفاظ عليه، في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وضغوط الحياة اليومية والإفراط في مشاركة تفاصيل الحياة الخاصة، ما أدى إلى تراجع احترام الحدود الشخصية.

علاقات غير صحية داخل الأسرة واثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد

وترى أن "كثيرين يربطون القرب العائلي أو العاطفي بحق التدخل في حياة الآخرين، فيعتقد بعض الأهل والأقارب أن محبتهم وحرصهم يمنحانهم حق التدخل في تفاصيل حياة من حولهم، ولا سيما الأبناء" وتوضح أن هذا التدخل، إذا تجاوز حدود التوجيه للأبناء، يتحول إلى وصاية تضعف استقلاليتهم اوتفقدهم الثقة بقدرتهم على اتخاذ القرار، "وقد ينعكس لاحقاًعلى استقرار حياتهم الزوجية وعلاقاتهم الاجتماعية".

وترى أن هذه الممارسات تخلق أنماطا من العلاقات غير الصحية داخل الأسرة، أبرزها العلاقة الاعتمادية، حيث يبقى الابن أسيرا لموافقة أهله حتى بعد الزواج أو العلاقة العدائية المستترة، فيظهر الطاعة ويخفي مشاعر الغضب، وقد يصل الأمر إلى القطيعة عندما تتاح له فرصة الاستقلال، تعبيرا عن شعوره بأنه لم يعش حياته وفق خياراته.

وتلفت إلى أن تجاوز خصوصية الأبناء يترك آثارا نفسية واجتماعية طويلة الأمد، منها ضعف الثقة بالنفس، والخوف من الخطأ أو الانتقاد، وصعوبة وضع حدود صحية أو قول "لا"، إضافة إلى تكوين شخصية مترددة تخشى تحمل المسؤولية، ما ينعكس على العلاقات العاطفية والزوجية.

وأكدت أن دور الأهل يجب أن ينتقل، بعد بلوغ الأبناء سن الرشد، من فرض القرارات إلى تقديم النصح والدعم، لأن الهدف الحقيقي من التربية ليس صناعة نسخة عن الأهل، بل تنشئة إنسان مستقل، قادر على اتخاذ قراراته وتحمل مسؤولياته".

كيف نرسم حدودنا؟

ولتجنب هذه النتائج، تشدد على أن "بناء حدود شخصية صحية لا يعني القطيعة مع الأهل، بل إقامة علاقات أكثر توازنا واحتراما وتلفت إلى أن تحقيق ذلك يبدأ بالشفافية، من خلال مصارحة الأهل بهدوء ومحبة بالتدخلات التي تسبب الانزعاج، ثم الثبات على الموقف وتكراره بأسلوب هادئ وحازم لإيصال رسالة واضحة بأن هذه الحدود يجب احترامها، كما تشدد على أهمية الحفاظ على خصوصية الحياة الشخصية، وعدم مشاركة كل التفاصيل مع الآخرين، لأن الإفراط في كشفها يفتح الباب أمام مزيد من التدخل في الشؤون الخاصة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد