تشهد الضفة الغربية تصاعدًا متزايدًا في عمليات اعتقال النساء الفلسطينيات على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وترافق ذلك مع تزايد سياسات القمع والعقاب داخل سجون الاحتلال، حيث تحولت سياسة العزل إلى حالة من نفي الأسيرات عن الحياة، فيما رُصد وجود سجانات مهمتهن التحرش الجنسي بالأسيرات.
حذّرت مديرة الإعلام في «نادي الأسير»، أماني سراحنة، من تصاعد استهداف النساء الفلسطينيات عبر حملات الاعتقال الإسرائيلية المتواصلة في الضفة، مؤكدة أن عمليات الاعتقال أصبحت تتم بالجملة، وهو ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، بما في ذلك الأمهات وكبيرات السن.
قالت سراحنة لـ«القدس العربي»، إن اعتقال النساء لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل بات جزءًا من سياسة ممنهجة تصاعدت بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، مشيرة إلى أن غالبية المعتقلات اللواتي جرى اعتقالهن مؤخرًا تتراوح أعمارهن بين 60 و65 عامًا، إلى جانب فتيات شابات.
أضافت أن عدد الأسيرات في سجون الاحتلال ارتفع إلى أكثر من مئة أسيرة حتى الآن، موزعات بين سجن الدامون وعدد من مراكز التحقيق والتوقيف، وسط تدهور متواصل في ظروف الاعتقال وتصاعد عمليات القمع والانتهاكات بحقهن.
قالت إن السبب الأساسي في اعتقال النساء هو ما يدعي الاحتلال أنه «التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي»، مضيفة: «والواضح لنا أن نسبة النساء اللواتي اعتُقلن على خلفية التحريض أعلى. وهناك أسيرات اعتُقلن على خلفية نشاط طلابي، وتحديدًا الطالبات، وهناك أسيرات اعتُقلن بسبب صلة القرابة بينهن وبين شهيد أو أسير، أو بسبب حالة نضالية معينة داخل العائلة». وتابعت: «هذه النسبة الأعلى من الأسباب أو الخلفيات.. وهنا نحن نتحدث عن وجود أسيرات داخل منفى». وكشفت سراحنة عن تصاعد واضح في استخدام الاحتلال سياسة احتجاز النساء واعتقالهن بهدف الضغط على أحد أفراد العائلة لتسليم نفسه، مؤكدة أن هذه السياسة شهدت توسعًا كبيرًا خلال الفترة الأخيرة.
قالت إن هناك مئات الحالات التي جرى فيها احتجاز نساء لساعات أو أيام، وأحيانًا لأسابيع، بهدف ابتزاز مطلوبين أو مطاردين، موضحة أن بعض النساء تعرضن للاعتقال أكثر من مرة للغرض ذاته. على مسار مواز، أكدت مديرة الإعلام والتوثيق في «نادي الأسير»، أماني سراحنة، أن الأشهر الأخيرة من هذه السنة شهدت تحولًا كبيرًا جدًا على مستوى عمليات القمع في السجون، وتحديدًا بحق الأسيرات. وقالت: «نحن نتحدث عن عشرات عمليات القمع، وهي ليست مجرد تفتيش أو مجرد عمليات روتينية قد تجري في سجن الدامون. نحن نتحدث عن عمليات قمع كان يتخللها ضرب مبرح، بالمعنى الحرفي، ضرب مبرح للعديد من الأسيرات. وأيضًا، كان هناك تفتيش عارٍ وإجبار الأسيرات على اتخاذ وضعيات معينة بأجسادهن، بشكل مذل ومهين جدًا جدًا للكرامة الإنسانية، بكل ما تعنيه الكلمة».
تقرب سراحنة الصورة قائلة: «في الإفادات التي نحصل عليها من الأسيرات، مع الأسف، نكتشف أمورًا وتفاصيل غاية في القسوة، لم تدلِ بها الأسيرات أنفسهن في مراحل معينة. أما موضوع التحرش الجنسي مثلًا، فقد أصبح لدينا تصور واضح، من الإفادات، أن هناك مجموعة من السجانات في سجن الدامون موجودات من أجل هذه المهمة، وهي التحرش الجنسي، مع الأسف الشديد».
حول أبرز القضايا المرتبطة بالاعتداءات الجنسية، قالت سراحنة إن التفتيش العاري هو الأكثر حدوثًا، إذ يحدث على نطاق واسع، وهو جزء من الاعتداءات الجنسية، لأنه ليس مجرد تفتيش، وفيه خدش لكل التفاصيل التي يمكن أن نتخيلها أثناء التفتيش. وتابعت: «عدا عن ذلك، نلحظ أن التحرش الجنسي يحدث على نطاق واسع، وهو أمر لا يتعلق فقط بالأسيرات الموجودات في سجن الدامون، فنحن نتكلم منذ لحظة الاعتقال».
ترى سراحنة في سياسات الاعتقال أنها تمس «مجتمعًا كاملًا وبشكل يومي، ويرافق ذلك تدمير جسدي ونفسي، وعملية كي وعي تمس المجتمع الفلسطيني بأكمله، فلا يوجد إنسان فلسطيني بمعزل عن عمليات الاعتقال بالمطلق». شددت على أن كل رجل أو امرأة في المجتمع الفلسطيني يرى أن موضوع الاعتقال بعيد عنه هو شخص يعيش في وهم، مضيفة: «فهناك العديد من المعتقلين اليوم لا يملكون أدنى فكرة عن سبب وجودهم في السجن أساسًا».
أما المسألة الثانية التي تنبه إليها سراحنة، فتتمثل في استهداف الأسيرات من خلال عمليات العزل، وقالت: «هنا نتحدث عن عمليات تنكيل مرافقة للعزل، مثل الضرب والإذلال والحرمان من كل المقومات الأساسية، التي هي غير موجودة في القسم العام، ولكن حتى في العزل يتضاعف الأمر».
تابعت: «نحن لا نتحدث عن عزل بالمفهوم نفسه الذي كان سائدًا في السنوات التي سبقت الإبادة، إنما نتحدث عن نفي. الأسرى والأسيرات هم فعليًا في منفى، ولا يعلمون ما يحدث من حولهم إلا عن طريق المحامين، ولا يعلمون عن أي أمور في الخارج، وهذا الأمر هو ما أثقل كاهل الأسرى، إذ إنهم منقطعون عن العالم الخارجي». وعدا عن ذلك، تضيف سراحنة، هناك أسيرات يعانين من مشكلات نفسية وصحية، وهن بحاجة إلى تدخل وعلاج بصورة مستمرة، كما يحتجن إلى متطلبات خاصة ورعاية صحية خاصة.
أوضاع صحية قاسية
في أحدث الرسائل التي نقلها محامي «نادي الأسير الفلسطيني»، جاء في تجربة الأسيرة آمنة سويلم، البالغة 55 عامًا، من مدينة نابلس، والمعتقلة بتاريخ 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2025، أنها تعاني من ظروف اعتقال قاسية وصعبة جدًا. جاء في رسالتها أن الأسيرة تعاني من آلام في الكتف بسبب تمزق في الوتر، وتشتكي أيضًا من مشكلات في الغدة الدرقية وفتق في عضلات البطن.
أما الأسيرة ليلى خليل، البالغة 22 عامًا، من بلدة بيتونيا في رام الله، والتي اعتُقلت بتاريخ 2 حزيران / يونيو 2026، فتوجد في عزل التسمين. وتقول الأسيرة، بحسب رسالة سُربت مؤخرًا: «أوضاع السجن سيئة للغاية، فالطعام سيئ نوعًا وكمًا، والفورة مرة واحدة لمدة ساعة، وجزء كبير من الأسيرات لا يتمكن من الاستحمام بسبب ضيق الوقت». وتكمل سراحنة حديثها حول جانب من معاناة الأسيرات: «السجن بالنسبة إلى الأسيرات شهد تحولًا جذريًا. لم تعد هناك أدنى خصوصية لكونهن نساء، بالمطلق، وكل ما يجري مع الأسرى الشباب يجري مع الأسيرات. وأحيانًا، أثرت بعض السياسات والسلوكيات المعينة بصورة كبيرة جدًا في تدمير الأسيرة نفسيًا، وأحيانًا جسديًا. ومع مرور الوقت، نلحظ أن كل هذه السياسات تتصاعد ولا تقل، وتتخذ مسارًا أكثر منهجية. وعلى العكس، يجرب الاحتلال مثلًا سياسة معينة في المرحلة الأولى، ثم تتطور بشكل أو بآخر، وتصبح سياسة متجذرة في سلوكيات السجانين ومنظومة السجن».
تسرد مثالًا لتوضيح فكرتها: «عندما تتعرض الأسيرات لعمليات قمع داخل السجون، أو داخل سجن الدامون للأسيرات، تُجبر الأسيرات على الاستلقاء على بطونهن، وتُقيد أيديهن إلى الخلف، ويتم سحبهن إلى ساحة الفورة بطريقة مذلة ومهينة جدًا. وهناك أسيرات اشتكين مما كان يحدث، مثل التركيز في الضرب على المنطقة العلوية من أجساد الأسيرات، والضغط على صدورهن وبطونهن. إنه مشهد مروع جدًا، وبعض الأسيرات أصبن في مناطق حساسة بسبب عمليات الضرب أو التنكيل. ومن بين الحالات التي تابعناها حالة أسيرة كانت تعاني من مشكلة في الرحم، وتعرضت للضرب وأصيبت بنزيف حاد على مدى فترة طويلة، ما أثر في نسبة الدم، وبعد تدخلات كبيرة وافق الاحتلال على إجراء الفحوصات اللازمة لها».
تابعت: «نحن نتحدث عن تعذيب لحظي بكل ما تعنيه الكلمة. وفي هذه المرحلة وهذه الأجواء، تشتكي العديد من الأسيرات في رسائلهن من نسبة الرطوبة داخل سجن الدامون، ولا توجد أي وسيلة للتهوية. وعلى الرغم من ادعاء الاحتلال أنه يسمح للأسيرات بالاستحمام، فإن ذلك يكون لدقائق معدودة جدًا خلال فترة الفورة». يُذكر أن أبرز الحالات الموجودة في سجون الاحتلال هن ربات منازل، وطالبات، ومحاميات، وصحافيات، وحوامل، ومرضعات، ومسنات، وطفلات، وشقيقات أسرى، وشقيقات شهداء، وزوجات أسرى وشهداء، وزوجات أسرى محررين. وهذه هي الأصناف والفئات الموجودة في السجن تقريبًا.
يُذكر أن مؤسسات الأسرى وثقت اعتقال ما لا يقل عن 770 امرأة فلسطينية منذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر، موضحة أن هذا الرقم يشمل الضفة الغربية والقدس وأراضي عام 1948، ولا يتضمن حالات الاعتقال في قطاع غزة، بسبب صعوبة التوثيق في ظل الحرب المستمرة.
تحولات جذرية في واقع الأسرى
تختم سراحنة حديثها بالتأكيد على «عدم وجود الحركة الأسيرة اليوم داخل السجون. هناك تحولات جذرية كبيرة، ومع الأسف، كان لدينا، في بداية الحرب أو أعقاب الإبادة، تصور بأن الإجراءات والسياسات وبنية التعذيب القائمة لن تكون دائمة بالمستوى الذي بدأت فيه في أعقاب الإبادة، لكن، مع الأسف الشديد، ما يحدث هو العكس تمامًا. فما حدث مع الأسرى، ومستوى العدوان ومستوى السياسات، وقراءتنا لنتائج منظومة السجن على الأسرى الفلسطينيين، هو بمستوى الإبادة».
تختم قائلة: «لا يوجد أي أسير يخرج من السجن وهو طبيعي، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي، وأنا مسؤولة عن كلامي. نحن، كمؤســــــسات، لم تعد لدينا القدرة على السيطرة على الحالة المتعلقة بمصير الأسرى الفلسطينيين، أو حتى على المتابعة التي يجب أن تكون، وما ينطبق على الأسرى تمامًا ينطبق على الأسيرات».