في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، بينما كانت قوارع الغارات تهزّ سماء طهران، أعلن البنتاغون انطلاق عملية أُطلق عليها اسم «الغضب الملحمي» بالتنسيق مع جيش العدو الإسرائيلي. في غضون ساعات، كان المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي قد استشهد مع عدد من المسؤولين الكبار؛ وهو الحدث الذي وصفه تقرير مؤسسة راند الصادر في مارس/أذار 2026 بأنه «أرسل موجات صدمة عبر المنطقة وما وراءها».
بيد أن ما جرى بعد ذلك أربك معادلات القوة المألوفة. إذ في أقل من أسبوع، أغلقت الجمهورية الإسلامية في إيران مضيق هرمز، وأطلقت في الأسبوع الأول وحده أكثر من ألفي طائرة مسيّرة وخمسمئة صاروخ باليستي، وفقًأ لما وثّقته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (مايو/أيار 2026). ارتفع سعر برنت الفوري إلى 132 دولارًا للبرميل، وتجمّد ما يزيد على عشرين بالماة من تجارة النفط العالمية في عنق زجاجة جغرافية لا يتجاوز عرضها أربعة وثلاثين كيلومترًا، وفقًا لتقرير مجلس الكونغرس الأمريكي (R45281، مارس 2026).
أمام هذه الصورة المركّبة، يطرح المشهد سؤالًا جوهريًا ما يزال بلا إجابة حاسمة: هل أدّت حرب 2026 إلى تفكيك المفهوم التقليدي للقوة الكبرى وإعادة رسم شروط الردع والنفوذ في منظومة الأمن الدولي؟ وهل باتت «قوة الصمود» خاصيةً استراتيجية بذاتها توازي في أثرها الترسانات النظامية؟
أولًا- مفهوم القوة قبل 2026 كيف كانت تُقاس؟
قبل اندلاع الأعمال العدائية، كانت معادلة القوة في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) تستند إلى ثلاثة محاور كلاسيكية: التفوق الجوي، البنية الاستخباراتية، التكامل التحالفي. في تقرير معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS) «الميزان العسكري 2026»، احتل جيش العدو الإسرائيلي موقعًا استثنائيًا بحجم قوته الجوية وتكاملها مع الترسانة الأمريكية. أكد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس قبيل العمليات أن القدرة العسكرية الإسرائيلية تكفل التفوق الساحق في أي مواجهة إقليمية.
في المقابل، كانت الجمهورية الإسلامية في إيران مصنّفة ضمن خانة «القوة الإقليمية المقيّدة»؛ إذ تمتلك ترسانة صاروخية كبيرة وشبكة وكلاء ممتدة، لكنها تفتقر إلى قدرة المواجهة النظامية المباشرة مع القوى الغربية. أقرّ مسؤولون أمريكيون بأن الاستراتيجية الإيرانية ظلت تاريخيًا في دائرة «الحرب المنخفضة الكثافة» وضغوط الوكالة، لا الاشتباك الشامل.
ثانيًا- ما الذي تغيّر في حرب 2026؟
1. مؤشر زمن الرد
على النقيض مما جرى في «حرب اثني عشر يومًا» في يونيو/حزيران 2025، جاء الرد الإيراني في 2026 أسرع وأكثر تنسيقًا، وهو ما أشار إليه تحليل ويكيبيديا لحرب 2026 نقلًا عن خبراء عسكريين، كونه مؤشرًا على تطور بنية القيادة الإيرانية. في غضون ساعات من الضربة الأولى، كانت الجمهورية الإسلامية قد فعّلت شبكتها متعددة الجبهات: حزب الله المقاومة الاسلامية في لبنان، الحوثيون من اليمن، والمقاومة الإسلامية في العراق.
2. مؤشر تكلفة الردع
وثّق تقرير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (مايو/أيار 2026) لباحثه ستيف فيلدشتاين أن الطائرة المسيّرة الإيرانية الشاهد-136 لا تتجاوز تكلفة إنتاجها ما بين 20 إلى 50 ألف دولار، في مقابل صواريخ باتريوت وثاد المعترضة التي تبلغ قيمتها الواحدة ملايين الدولارات. كذلك أفضى إغلاق هرمز إلى خسائر يومية تبلغ 1.1 مليار دولار من العائدات النفطية لدول الخليج وحدها، وفقًا لنموذج التأثير الاقتصادي الصادر عن مركز سولابيليتي (11 أبريل 2026).
3. مؤشر جبهات الاشتباك
أظهر المشهد العملياتي تحولًا جوهريًا في ديناميكيات المواجهة؛ إذ امتدت جبهات الاشتباك لتشمل لبنان والعراق واليمن والبحر الأحمر ومضيق هرمز في آنٍ. رصد تقرير «المؤشر العالمي - الملحق الخاص: حرب إيران والتهديد العالمي» (مارس/أذار 2026) الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، أن الجمهورية الإسلامية في إيران جعلت من الاقتصاد العالمي ساحة حرب بديلة، مستخدمةً إغلاق هرمز لضغط اقتصادي غير مسبوق.
ثالثًا- سؤال الأقطاب: هل تبلورت خريطة نفوذ جديدة؟
رصد محللون من مؤسسات مختلفة تحولات متباينة في موازين القوى الإقليمية، وفيما يلي عرض لثلاثة آراء متباينة:
علي فايز مدير مشروع الجمهورية الإسلامية في إيران في المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات (ICG)، صرّح بأن الولايات المتحدة «سلّمت إيران سلاح تدمير شامل» في إشارته إلى إغلاق هرمز، مضيفًا أن المحاولة لمنع امتلاك إيران سلاح الدمار الشامل النووي أفضت إلى منحها «سلاح تدمير الاضطراب الاقتصادي»، وذلك كما نقلت عنه ويكيبيديا في تحليل حرب 2026.
هيذر ويليامز الباحثة في مؤسسة راند، أوضحت في تقرير المؤسسة (10 مارس 2026) أن اختيار السيد مجتبى الخامنئي قائدًا عامًا للجمهورية الاسلامية «قد يكون مؤشرًا على أن الحرس الثوري يراه وصيًا شرعيًا»، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة النظام على الحفاظ على قوته في ظل الضغط العسكري الخارجي.
المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، في تحليله «الحرب على إيران» (أبريل 2026)، يُقدّر أن «المشهد يُرجَّح أن يخرج منه الأطراف الثلاثة مُعلنين الانتصار»، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة في 2026 تفتقر إلى ثلاثة عوامل أمتلكتها في 1991: التصاعد العسكري والدبلوماسي، والدعم الدولي الواسع، والتأسيس القانوني المتين.
رابعًا- موقع الجمهورية الإسلامية في إيران - هل انتقلت للمركز؟
تتباين قراءتا المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية حيال مآلات النفوذ الإيراني بعد الحرب.
يُقدّر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في دراسته «شبكات نفوذ إيران في الشرق الأوسط» أن إيران، رغم الضربات الموجّهة لقياداتها، تمتلك بنية تحتية للنفوذ عميقة الجذور عبر الحلفاء الإقليميين، يصعب تفكيكها بالغارات الجوية وحدها. وقد كشفت الحرب أن هذه الشبكات قادرة على الفعل المستقل بمعزل عن البنية القيادية المركزية في طهران.
في المقابل، يرى مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في تقريره «حرب إيران ونظام جيوسياسي ناشئ» (26 أبريل 2026) أن الحرب تُعجّل بـ«انتقال نحو نظام عالمي مُجزَّأ يُعيد رسم الأمن والعولمة والدور الاستراتيجي للخليج». غير أن التقرير نفسه يُنبّه إلى احتمال ظهور «رباعي إقليمي» جديد يضم مصر وباكستان والسعودية وتركيا، يحاول موازنة التمدد الإسرائيلي دون أن يستلزم ذلك دعم إيران، وهو ما وثّقه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في مايو/أيار 2026.
خامسًا- الإطار النظري - حروب الجيل الرابع
لفهم ديناميكيات ما جرى، يُعدّ إطار «حروب الجيل الرابع» (4GW) الأوفى تفسيرًا. صاغ هذه النظرية الباحث الاستراتيجي وليام ليند ومجموعة من الضباط الأمريكيين، في العام1898، في مقال نُشر في مجلة «ماريه كور جازيت»، ومفادها أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على ساحات القتال المحددة جغرافيًا، بل صارت تنتقل إلى ميادين سياسية واقتصادية وإعلامية، مع تمييع الحدود بين المقاتلين والمدنيين وبين حالتي الحرب والسلم.
ما يميّز الجيل الرابع من الحروب، بحسب ليند، أن الفاعل الأضعف ميزانيًا وتقنيًا قادر على تحييد التفوق العسكري التقليدي بالاستنزاف والتشكيك في شرعية العدو وتحميله تكاليف غير قابلة للاستدامة. في هذا السياق الأكاديمي تحديدًا، رصدت مؤسسة كارنيغي (2026) أن استراتيجية الجمهورية الإسلامية في إيران «تُقدّم نموذجًا للدول الأضعف في مواجهة الجيوش العظمى»: إغراق منظومة الاعتراض بالطائرات المسيّرة الرخيصة، وتحويل الممرات الاقتصادية الحيوية إلى أوراق ضغط، وربط الجبهات الوكيلة الممتدة من البحر الأحمر إلى جنوب لبنان في شبكة عمل واحدة.
التطبيق المباشر على وقائع 2026 واضح: حين أغلقت إيران هرمز باستخدام طائرات مسيّرة رخيصة وألغام بحرية وتهديدات اتصالية (VHF)، لم تُقدّم مواجهة عسكرية بالمعنى الكلاسيكي، بل فعّلت منطق «التكلفة غير المتكافئة» الذي يُمثّل العمود الفقري لنظرية ليند. يُسجّل الباحث فيلدشتاين في كارنيغي أن نسبة نجاح اختراق المسيّرات بحدود 10-20 بالمئة فقط كافية لجعل الاستراتيجية مجدية اقتصاديًا.
سادسًا- التوظيف العملي - قراءة التحولات لصالح الاستقرار
لا يتوقف الأثر الاستراتيجي لحرب 2026 عند الميدان العسكري، بل يمتد بعمق إلى الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) تقريرًا في الثالث عشر من أبريل 2026 أعدّه الاقتصاديون الأمميون جورج غراي مولينا ولارس جنسن وإدواردو أورتيز خواريز، يكشف أن الصدمة الاقتصادية قد تدفع 32 مليون شخص إلى خانة الفقر في 162 دولة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وانعدام الأمن الغذائي وضعف النمو.
لقد خلص التقرير إلى توصيات عملية موزّعة على ثلاثة مستويات: أولًا، التحويلات النقدية المستهدفة لحماية الأسر الفقيرة بتكلفة تصل إلى ستة مليارات دولار؛ وثانيًا، الدعم المؤقت على الحدّ الأدنى من استهلاك الطاقة؛ وثالثًا، إصلاحات هيكلية متوسطة المدى لتعزيز الأمن الطاقوي وتنويع سلاسل الإمداد الإقليمية.
أما على صعيد سوريا، فقد طالبت جويس مسويا نائبة منسق الشؤون الإنسانية الأممية مجلس الأمن (مارس 2026) بـ«انخراط دبلوماسي متواصل لحلّ نقاط التوتر المتبقية»، محذّرة من أن التعافي السوري الهش يواجه خطر الانهيار إذا ما امتدت الحرب الإقليمية إلى أمد أطول.
على مستوى المستجدات السياسية، رسم مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية (أبريل 2026) إطارًا لاستعادة الخليج دورًا محوريًا في رسم نظام ما بعد الحرب، ويرتكز على التحول «من الاعتماد الأمني التقليدي إلى استراتيجية استباقية متنوعة». وهو ما يوازيه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في تقديره بأن ظهور الرباعي الإقليمي (مصر-باكستان-السعودية-تركيا) قد يُشكّل نواة ترتيب أمني مستقل نسبيًا عن الثنائية الأمريكية - الإيرانية.
الخاتمة
حين تنجح قوة بلا جيش نظامي كلاسيكي في تجميد عشرين بالمئة من التجارة النفطية العالمية وإرباك الحسابات الاستراتيجية لأعتى القوى العسكرية، فهذا يعني أنها استطاعت بالحد الادنى الثبات وتحقيق الصمود الممهد لانتصار تاريخي. وحين تنجح هذه القوى الكبرى في اغتيال وقتل قيادات خصمها وتدمّر منشآته النووية، فهذا لا يعني بالضرورة أنها حسمت المعادلة.
تظل الأسئلة الكبرى معلّقة: هل يمكن لمفهوم «قوة الصمود» أن يتحوّل إلى نظرية منهجية للأمن الإقليمي، أم أنه يبقى سلاح ضغط مؤقتًا يفقد فاعليته حين تستعيد القوى التقليدية أدواتها؟ وهل ستُعيد دول "الشرق الأوسط" رسم تحالفاتها الأمنية بعيدًا عن الثنائيات المألوفة، أم أن منطق الاستقطاب سيُعيد إنتاج نفسه بأسماء جديدة؟ وفي نهاية المطاف: مَن يُعرِّف القوة، يُعرِّف النظام - فمن يملك حق تعريف القوة الآن؟
قائمة المراجع والمصادر
المراجع الأكاديمية
1. Lind, W. S., Nightengale, K., Schmitt, J. F., Sutton, J. W., & Wilson, G. I. (1989). «The Changing Face of War: Into the Fourth Generation». Marine Corps Gazette, Vol. 73, No. 10, pp. 22–26.
2. Hammes, T. X. (2004). The Sling and the Stone: On War in the 21st Century. Zenith Press.
3. Feldstein, S. (2026, May 13). «The Unintended Consequences of Iran's Asymmetric Strategy and America's AI War». Carnegie Endowment for International Peace. https://carnegieendowment.org/research/2026/05/the-unintended-consequences-of-irans-asymmetric-strategy-and-americas-ai-war
4. Bozorgmehri, M. (2026, April 23). «The Ongoing War Between Iran, the US, and Israel: A Brief Analytical Assessment». European Center for Populism Studies (ECPS). https://www.populismstudies.org/the-ongoing-war-between-iran-the-us-and-israel-a-brief-analytical-assessment/
5. Gray Molina, G., Jensen, L., & Ortiz-Juarez, E. (2026, April 13). Military Escalation in the Middle East: Reversals in Global Development, Policy Response Options. United Nations Development Programme (UNDP). https://www.undp.org/publications/military-escalation-middle-east-impact-analyses
المصادر الصحفية والتحليلية الموثقة
6. RAND Corporation. (2026, March 10). «War in Iran: Q&A with RAND Experts». https://www.rand.org/pubs/commentary/2026/03/war-in-iran-qa-with-rand-experts.html
7. IISS. (2026, April). «The War Against Iran». Survival Online. https://www.iiss.org/online-analysis/survival-online/2026/04/the-war-against-iran/
8. IISS. (2026, May). «A New Middle Eastern Quadrilateral is Taking Shape». https://www.iiss.org/online-analysis/online-analysis/2026/05/a-new-middle-eastern-quadrilateral-is-taking-shape/
9. Institute for Economics and Peace. (2026, March). Global Terrorism Index 2026: Special Supplement — The Iran War and the Global Terrorism Threat. https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2026/03/The-Iran-War-and-The-Global-Terrorism-Threat.pdf
10. Middle East Council on Global Affairs. (2026, April 26). «The Iran War and an Emerging Geopolitical Order». https://mecouncil.org/publication/the-iran-war-and-an-emerging-geopolitical-order/
11. Atlantic Council. (2026, April 14). «15 Charts That Explain Why the Strait of Hormuz Shutdown Matters for the Global Economy». https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/15-charts-that-explain-why-the-strait-of-hormuz-shutdown-matters-for-the-global-economy/
12. Stimson Center. (2026, March 3). «Global Markets and the Strait of Hormuz: The Economic Shockwaves of the Iran War». https://www.stimson.org/2026/global-markets-and-the-strait-of-hormuz-the-economic-shockwaves-of-the-iran-war/
13. SolAbility. (2026, April 11). «Strait of Hormuz Closure 2026: Cost Model – Day 42 Update». https://solability.com/news-insights/iran-war-marginal-cost
14. Analysis of the 2026 Iran War. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Analysis_of_the_2026_Iran_war
الوثائق الرسمية
15. Congressional Research Service (CRS). (2026, March). «Iran Conflict and the Strait of Hormuz: Impacts on Oil, Gas, and Other Commodities». Report R45281. https://www.congress.gov/crs-product/R45281
16. UNDP. (2026, April 2). «The Impacts of the Middle East Conflict on Africa» — Joint Statement with AfDB, AUC, UNECA. https://www.undp.org/africa/press-releases/impacts-middle-east-conflict-africa
17. UN News. (2026, March 18). «Middle East War Risks Undermining Syria's Fragile Recovery, Security Council Hears». https://news.un.org/en/story/2026/03/1167155
18. UNDP. (2026, April 14). «Middle East Military Escalation Could Cost Asia-Pacific up to US$299 Billion». https://www.undp.org/asia-pacific/press-releases/middle-east-military-escalation-could-cost-asia-pacific-us299-billion-undp
19. IISS. (2026). Military Balance 2026. International Institute for Strategic Studies, London.