النازحون يُبقون باب النزوح مُوارَباً

post-img

رؤى قاسم (صحيفة الأخبار)

لم يعد النزوح بالنسبة إلى أهالي الضاحية الجنوبية تجربةً طارئةً، بل تحوّل إلى جزء من حسابات الحياة اليومية بعد ثلاث حروب واعتداءات متكررة في ما بينها. وبين من عاد سريعاً إلى منزله فور الإعلان عن مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، ومن أبقى باب النزوح مفتوحاً تحسّباً لأي تطور أمني، تتفاوت المقاربات، فيما يجمع الجميع على التمسك بالعودة إلى الضاحية كلّما سنحت الفرصة.

في حديث مع «الأخبار»، تقول خديجة، التي عادت إلى منزلها في منطقة الرويس، في محيط مجمع سيد الشهداء، صباح وقف إطلاق النار الأخير، إنها على الرغم من كونها نازحة إلى منزل ثانٍ تملكه في بشامون، وهو مُجهّز بجميع مقوّمات الحياة، تفضّل العودة سريعاً إلى الضاحية بسبب موقعها الحيوي وقربها من مكان عمل زوجها ومدارس أولادها، على أن تعود إلى مكان نزوحها في حال حصول أي تطوّر أمني.

وتلفت خديجة إلى أنها تحيّنت فترة الهدوء النسبي في الضاحية في الفترة السابقة، إذ كانت تتردّد إلى منزلها وتعمل على تنظيفه وترتيبه، وإغلاق فتحات الزجاج بالنايلون، لكي تكون جاهزة للعودة مباشرة عند وقف إطلاق النار، على الرغم من الدمار الكبير الذي لحق بمحيطه.

بدورها، تقول ابتهاج ممازحة، وهي جارة خديجة في بشامون، إن وجهها كان «نحساً» على الضاحية، إذ إنها في المرات الثلاث التي قرّرت فيها العودة إلى منزلها في محلة المريجة، تعرّضت الضاحية لاعتداءات في الليلة نفسها أو في اليوم التالي، ما دفعها إلى النزوح نحو منزل في بشامون كان قد اشتراه ابنها بعد الحرب السابقة. وعلى عكس خديجة، تعرب ابتهاج عن ثقتها بأن الحرب قد انتهت، على الأقل في الضاحية، إنّما من دون أن تعرب عن استعدادها للتخلّي تماماً عن المسكن الثاني في بشامون.

أمّا علي، وهو سائق تاكسي من سكان منطقة برج البراجنة، فيقول إنه كان يقصد الضاحية في الفترة السابقة بهدف العمل، إذ إنها المنطقة التي اعتاد نقل الركاب منها. وأثناء عمله يتفقّد منزله ويقضي بعض الوقت فيه ويأخذ ما يحتاج إليه من أغراض، قبل أن يعود ليلاً إلى منزل نزح إليه في منطقة خلدة. واليوم، يعمل علي على ترميم منزله وتأمين مقوّمات الحياة الأساسية فيه، على أن يستقر مع عائلته فيه الأسبوع المقبل، أو «عندما تتضح الأمور»، يقول. لكنه لا يخفي فرحته بعودة الحركة إلى الضاحية مع «وقف إطلاق النار» الأخير، ما انعكس إيجاباً على عمله أيضاً.

في المقابل، يبرز تصرف احترازي آخر لجأ إليه النازحون عن الضاحية الذين اضطروا إلى استئجار منازل خارجها، إذ فضّل هؤلاء التريّث في العودة إلى حين استحقاق إيجار الشهر الجديد. يروي وسام أنه دفع مع بداية الشهر الحالي إيجاراً مُسبقاً عن شهرين لمنزل نزح إليه في منطقة الحازمية. لذا فإنه لن يعود في الوقت الحالي إلى الضاحية، بانتظار اتضاح «الصورة الأمنية» أولاً، على أن يعمل في هذه الفترة على ترميم منزله وتهيئته للسكن، مؤكداً، في الوقت نفسه، أنه لا مفرّ من التردّد إلى المنطقة يومياً.

على المقلب الآخر، حسمت فاطمة، وهي من سكان منطقة الغبيري، خيارها بالعودة الفورية إلى الضاحية، خصوصاً أن منزلها لم يصبه أيّ ضرر، سواء من تحطّم الزجاج أو من غيره. غير أنها امتنعت عن تسليم مفتاح المنزل الذي استأجرته مقراً للنزوح في منطقة عائشة بكار في الوقت الحالي، حتى بداية الشهر المقبل، من باب الاحتياط فقط، كما تقول.

في الخلاصة، يدرك سكان الضاحية الجنوبية أن لتمسكهم بهذه الرقعة الجغرافية، التي تشكّل حاضنة للمقاومة، ثمناً سيدفعونه بين حين وآخر. لذلك، بات كثيرون منهم يتعاملون مع وجود مساكن بديلة بوصفها شبكة أمان تُفعّل عند الحاجة. وبالطبع، كلّما كانت هذه المساكن أقرب إلى الضاحية، كان ذلك أفضل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد