العودة إلى الضاحية ليست بهذه السهولة

post-img

زينب عوض (صحيفة الأخبار)

في الأيام الماضية شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت عودة متسارعة للأهالي، بعد أن هُجرت أحياء فيها بشكل شبه تام مع بداية العدوان الإسرائيلي في الثاني من آذار الماضي، إذ فرضت الغارات المعادية العشوائية واقعاً قاسياً من النزوح والخوف والترقّب. ومع «وقف إطلاق النار»، وإبرام التفاهم الأميركي ـــ الإيراني، ازداد تدفّق العائلات النازحة للعودة إلى بيوتها، حتى وإن كانت هذه المنازل غير صالحة للسكن بشكل مباشر.

لم يكن الاتفاق الإيراني ـــ الأميركي وحده هو ما أعاد الناس إلى الضاحية. فالحياة هناك بدأت تستعيد أنفاسها تدريجياً منذ تراجع توقّف الغارات اليومية عليها. شيئاً فشيئاً، عادت الشوارع إلى ازدحامها المُعتاد، وفُتحت أبواب المحالّ التجارية، ما ساهم في استعادة الأسواق جزءاً من حركتها اليومية. لكنّ هذه العودة لم تكن متشابهة في كل الأحياء. ففي مناطق مثل حي السلم والغبيري وبرج البراجنة، تبدو الحياة أقرب إلى إيقاعها السابق، فيما تبقى آثار الحرب أكثر حضوراً في حارة حريك والجاموس وشارع السيد هادي، حيث الأبنية المُدمّرة وورش رفع الركام تفرض إقفال الطرقات، وتأخير عودة الناس.

اليوم، بين الخوف من تجدّد العدوان الاسرائيلي، وصعوبة تأمين مساكن بديلة، وارتفاع الإيجارات إلى مستويات غير مسبوقة في أماكن النزوح، يجد عدد كبير من أهل الضاحية أنفسهم أمام خيار واحد: «العودة مهما كانت الظروف». زهراء حمود نزحت مع عائلتها أثناء الحرب إلى الشمال، إلى قرية بحبوش تحديداً. تقول إن «منزلهم في حارة حريك تعرّض لأضرار كبيرة، لكن وبمجرّد إعلان الهدنة، عادت العائلة سريعاً إلى الضاحية، وإن لم يكن إلى منزلها مباشرة».

حمود أقامت مع عائلتها في منزل شقيقها في منطقة برج البراجنة، بانتظار إصلاح البيت المتضرّر. تقول إن «خيار استئجار منزل جديد في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات لم يكن سهلاً»، فبدلات الإيجار عادت لترتفع، وتبدأ من 700 دولار شهرياً، فيما يتجاوز بدل الإيجار في مناطق خارج الضاحية مبلغ ألف دولار شهرياً. لذلك، قرّرت حمود وعائلتها الانتظار، وتحمّل ضيق المساحة مؤقّتاً، ريثما يصبح المنزل صالحاً للسكن.

أمّا عايدة، فقصتها أكثر قسوة. منزل العائلة الأساسي في بئر العبد، في شارع دكاش، دمّره القصف الإسرائيلي بشكل تام. واليوم تعيش مع أهلها وشقيقتها في منزل مُستأجر في منطقة الشويفات. تقول: «إن العودة إلى الضاحية ليست خياراً مطروحاً حالياً، إذ لا مكان تعود إليه العائلة أساساً». من جهة ثانية تتكلّم عايدة عن ضيق الخيارات بسبب زيادة العبء المالي عليها، فإيجار المنزل يبلغ 650 دولاراً شهرياً، وبسبب الحرب أصبحت مسؤولة عن إعالة والديها، فضلاً عن أولادها الاثنين لأنّ منزل العائلة في مدينة الخيام الجنوبية دمّرته إسرائيل، والعائدات التي كانت تؤمّنها أملاك والدها في قرية بيت ياحون باتت معدومة. لذا، باتت هي المورد الأساسي للعائلة، ما يدفعها إلى المحاولة جاهدةً للبحث عن منزل أقل كلفة وأكثر ملاءمة.

وفي محلّة القائم، تبدو معاناة ميساء عبدالله امتداداً لصورة الضاحية. المنطقة التي تسكنها كانت من أكثر المناطق عرضة لإنذارات الإخلاء والقصف المعادي. إحدى الغارات العنيفة التي استهدفت الحي خلّفت دماراً واسعاً، وألحقت أضراراً كبيرة بعدد من المباني، بينها مبنى منزل عائلتها. بحسب التقديرات الأولية، فإن «العودة إلى المنزل قد لا تكون ممكنة قبل ستة أشهر أو ربما سنة كاملة»، تقول ميساء. لهذا، اضطرت العائلة إلى البحث عن بدائل صعبة. لجأت إلى منزل شقيقها في محلّة الجاموس، وعلى الرغم من أن المنطقة بدورها ليست بعيدة عن دائرة الخطر.

لم يكن المنزل مُجهّزاً بالكامل، لكنه بدا الخيار الأقل كلفة مقارنةً بالإيجارات المرتفعة، تقول، إضافة إلى طلب بعض أصحاب المنازل دفعات مُسبقة للإيجار وسلفاً مُرهِقة. تؤكد ميساء أنّ «الأموال التي كانت ستُدفع للإيجار باتت تُصرف اليوم في تجهيز المنزل وتأمين الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة». في الحرب، أقامت العائلة في قرية الشبانية، في منطقة بعيدة نسبياً عن بيروت. بالنسبة إليها، كانت المسافة وحدها عبئاً يومياً، إذ يتطلّب الوصول إلى بيروت ما لا يقلّ عن 30 إلى 40 دقيقة، في رحلة مُرهِقة ومُكلِفة. ازداد استهلاك الوقود، وصار أبسط التفاصيل اليومية يحتاج إلى تخطيط مُسبق، خصوصاً أن التنقّل من دون سيارة كان شبه مستحيل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد