زينب بزي (صحيفة الأخبار)
أثار تعيين مستشار وزير الاتصالات شارل الحاج، جوزف أبو رجيلي، في منصب «مدير استراتيجي» في شركة «ألفا»، موجة اعتراضات واسعة بين موظفي قطاع الخلوي، بعدما تبيّن أنّ راتبه يفوق بأضعاف رواتب عدد كبير من الموظفين الذين أمضوا سنوات طويلة في شركتي الخلوي وهيئة «أوجيرو». ورأى الموظفون في هذه الخطوة تكريساً لسياسة تقوم على توسيع دائرة المستشارين واستحداث مواقع جديدة كما فعل وزراء اتصالات سابقون، في وقت لا تزال فيه تعويضاتهم ومستحقاتهم المالية معلّقة بحجة عدم توافر الأموال.
لا يقتصر الأمر على تعيين أبو رجيلي. فبحسب معلومات مصدرها عاملون في القطاع، تُسجّل حركة ناشطة لتوقيع عقود عمل جديدة في الشركتين مع موظفين بعقود حرّة وبرواتب مرتفعة تتجاوز في بعض الحالات رواتب موظفين حاليين من الرتبة نفسها، كما كان الوزير الحاج على وشك تعيين مستشار آخر في شركة «تاتش» قبل أن تؤدي الاعتراضات على تعيين أبو رجيلي إلى إرجاء هذه الخطوة. أيضاً يجري العمل على توصيف وظيفة مدير جديدة داخل شركة «ألفا» يفصّل على قياس موظف في إحدى الشركات العالمية العاملة في قطاع الاتصالات، وبراتب يتجاوز خمسة آلاف دولار شهرياً.
علماً بأن هذا الوزير كان قد اتخذ قراراً بتعديلات وظيفية قيادية في الشركتين بحجّة الرواتب المرتفعة. ويتزامن ذلك مع التحضير لتوصيف ثلاثة مواقع إضافية مرتبطة إدارياً بمنصب الرئيس التنفيذي للتدقيق الداخلي في شركة «تاتش»، والذي يعمل الوزير الحاج، وفق المعلومات، على تعيين مستشاره داني دويك فيه.
وفي هذا الإطار، يجري العمل على استحداث فريق إداري يواكب هذا المنصب، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإعادة طرح الملف بصيغة مختلفة، بعدما أثارت جدلاً واسعاً عند طرحها للمرة الأولى.
إذاً، الأمر لا يقتصر على توظيف واحد، بل إنشاء فريق إداري كامل يواكب قرارات الوزير داخل المؤسّسات التابعة للوزارة قبل إطلاق مناقصة تلزيم إدارة القطاع، ما يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية عما إذا كان الوزير يعمل من أجل تفصيل المناقصة على قياس جهة ما، أو شريك ما. فإذا كانت الوجهة المعلنة هي تقليص دور الدولة وإعادة هيكلة المؤسّسات، فما الحاجة اليوم إلى استحداث مواقع جديدة وتوسيع البنية الإدارية؟
ويكتسب هذا الاعتراض بُعداً إضافياً في ظل استمرار العمل بالقيود المفروضة على التوظيف في القطاع العام، إذ لا يُسمح بإجراء تعيينات جديدة إلا بصورة استثنائية وبعد موافقة مجلس الوزراء واستناداً إلى حاجات مثبتة. وهو ما يطرح تساؤلات حول الأسباب التي تدفع الوزارة إلى توسيع هيكليتها الإدارية في هذه المرحلة، في وقت يفترض أن تكون الأولوية لترشيد الإنفاق وإعادة تنظيم القطاع.
كما تثير هذه الخطوات اعتراضات واسعة داخل شركتي الخلوي، إذ يشير موظفون إلى أنّ عدداً كبيراً منهم أمضى أكثر من عشرين عاماً في الخدمة، ويتقاضى رواتب تتراوح بين ألف وألفي دولار، وكان ينتظر فرصاً قانونية للترقية وتسلّم مواقع قيادية بحكم خبرته وأقدميته، قبل أن يجد نفسه أمام مسار جديد يمنح الأولوية لاستقدام أسماء من خارج الملاك الإداري.
وتشير لوائح الموظفين إلى وجود كوادر كانت تُعتبر مرشحة بصورة طبيعية للتدرج الوظيفي والترقية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول أسباب تجاوز أصحاب الخبرة والكفاءة داخل المؤسسات نفسها. كما يُحكى عن اعتبارات مرتبطة بالتوازنات الطائفية لبعض المواقع المطروحة، ما يزيد من حدة الاعتراضات داخل القطاع.
هذه التطورات دفعت نقابة موظفي ومستخدمي شركتي الخليوي إلى التحرّك مجدداً. إذ زار وفد برئاسة النقيب مارك عون رئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتكليف، غازي يحيى، لمتابعة ملف دفع التعويضات المستحقة للموظفين الذين تقدّموا بطلبات صرفها وفقاً للأصول القانونية. وخلال اللقاء، شدّد يحيى على أحقية المباشرة الفورية بدفع هذه التعويضات من دون أي تأخير أو مماطلة، مؤكداً أن القانون يتيح لأصحاب العمل تسديد المستحقات وتقسيطها وفق آليات واضحة وميسّرة، وأنه لا يجوز ربط حقوق الموظفين بمشاريع قوانين لا تزال قيد الدرس أو الإقرار.
وبذلك، سقطت عملياً إحدى أبرز الذرائع التي استُخدمت خلال الفترة الماضية لتبرير تأخير صرف التعويضات، إذ تبيّن أن لا وجود لأي مانع قانوني يحول دون دفعها، حتى في حال اعتماد آلية التقسيط. وهو ما أعاد طرح سؤال أساسي داخل القطاع: إذا كانت الحلول القانونية متوافرة، فلماذا تستمر المماطلة في دفع حقوق الموظفين؟
وتزامناً مع تصاعد الاعتراضات داخل القطاع، أعلنت النقابة العامة في هيئة «أوجيرو» الإضراب العام والشامل والتوقف عن العمل يوم الثلاثاء المقبل، احتجاجاً على استمرار التأخير في إقرار الاعتماد الإضافي المخصص لتغطية فروقات الرواتب ومستحقات الضمان الاجتماعي العالقة منذ عام 2024. واعتبرت النقابة أنّ هذه الأموال «ليست منّة ولا مكرمة ولا مساعدة استثنائية، بل حقوق مكتسبة»، محمّلة الإدارة والوزارة والحكومة والجهات المالية المعنية مسؤولية دفع قطاع حيوي نحو مزيد من التأزم بسبب استمرار المماطلة في دفع حقوق العاملين فيه.
ولا تقتصر الاعتراضات على ملف التعويضات والمستحقات فحسب، إذ يشكو الموظفون أيضاً من حرمان عدد منهم من الزيادات السنوية، في وقت تُفتح فيه أبواب التوظيف الجديدة وتُستحدث مواقع استشارية ورواتب مرتفعة، ما يكرّس شعوراً متزايداً بازدواجية المعايير داخل القطاع.
لهذه التطورات أبعاد إضافية وسط ما يُتداول عن أن وزير الاتصالات شارل الحاج أبلغ رئيس الجمهورية جوزيف عون نيته الاستقالة، قبل أن يُطلب منه التريّث في اتخاذ هذه الخطوة. وإذا صحّت هذه المعطيات، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسباب الاستعجال الذي يطبع أداء الوزارة في هذه المرحلة. فإذا كانت الولاية الوزارية نفسها موضع نقاش، يصعب فهم الحاجة إلى تثبيت هذه التعيينات والتوصيفات الإدارية الآن.
يطرح متابعون للقطاع تساؤلات حول ما إذا كان الهدف هو ترك بصمة إدارية دائمة وتثبيت مراكز نفوذ وآليات تأثير تضمن استمرار حضور الوزير داخل الإدارة، حتى في حال حصول أي تبدّل سياسي أو إداري في المرحلة المقبلة. وينسحب الأمر نفسه على ملف «ستارلينك»، الذي أثار منذ البداية علامات استفهام واسعة بسبب السرعة التي أُنجز بها، في وقت يرى فيه متابعون للقطاع أن الحاجة إليه لم تكن ملحّة، ولا سيما أن لبنان كان قد بدأ فعلياً مساراً آخر يتعلق بتطوير شبكات الاتصالات والانتقال إلى خدمات الجيل الخامس (5G) وهو ما يدفع إلى طرح سؤال إضافي: لماذا هذا الاستعجال في إقرار ملف لا يبدو أولوية في الوقت الراهن، فيما تبقى ملفات أكثر إلحاحاً، كصيانة الشبكة وتسديد حقوق الموظفين وتعويضاتهم، معلّقة بلا حلول؟
هكذا، لم تعد القضية بالنسبة إلى الموظفين مجرّد ملف تعويضات أو اعتراض على بعض التعيينات، بل تحوّلت إلى اعتراض مباشر على السياسة التي يعتمدها وزير الاتصالات وعلى النهج الذي تتبنّاه الحكومة تحت عنوان الإصلاح. فبينما يُطلب من الموظفين تفهّم شحّ الموارد المالية وتأجيل حقوقهم المكتسبة، تُفتح الأبواب أمام المستشارين واستحداث المواقع الجديدة وتوسيع البنية الإدارية برواتب مرتفعة، في مشهد يعكس انقلاباً واضحاً في سلّم الأولويات.
في المحصّلة، يصعب التعامل مع ما يجري بوصفه جزءاً من مشروع إصلاحي. فحكومة ترفع شعار الإصلاح لا يمكن أن تبدأ بإعادة إنتاج منطق المحاصصة وتوسيع دائرة النفوذ داخل المؤسسات العامة، ولا أن تمنح الأولوية لتثبيت المقرّبين فيما يبقى أصحاب الخبرة والكفاءة والحقوق المكتسبة في موقع المنتظر. وما يجري اليوم داخل قطاع الاتصالات لا يبدو مشروع إصلاح بقدر ما يبدو مشروع تثبيت نفوذ داخل مرفق عام كان يُفترض أن يكون أحد أبرز عناوين الإصلاح الذي وعدت به الحكومة.