في قراءة شاملة لنتائج الحرب الأخيرة التي استهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رأى مدير مركز آفاق للدراسات الإيرانية-العربية الدكتور جلال جراغي أن المواجهة شكّلت نقطة تحوّل استراتيجية في تاريخ المنطقة، بعدما كشفت حدود القوة الأميركية و"الإسرائيلية"، وأثبتت فشل الرهانات التي بُنيت على إمكانية إخضاع إيران عسكريًا أو دفعها إلى التراجع عن ثوابتها السياسية والاستراتيجية.
أكد في حديث لموقع العهد الإخباري أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت محاولة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفرض واقع سياسي وجغرافي جديد في الشرق الأوسط، إلا أن نتائجها جاءت معاكسة لما خُطط لها.
أضاف جراغي أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني دخلا الحرب بأهداف كبيرة وطموحات واسعة تجاوزت مسألة البرنامج النووي الإيراني إلى محاولة تقويض عناصر القوة الإيرانية كافة، بدءًا من القدرات العسكرية والصاروخية وصولًا إلى إسقاط دور إيران الإقليمي وإنهاء نفوذها في المنطقة. إلا أن التطورات الميدانية والسياسية أظهرت أن هذه الأهداف بقيت بعيدة المنال، وأن إيران تمكنت من الصمود وإفشال المشروع الذي استهدفها.
فشل أميركي في فرض الشروط وإخضاع إيران
أوضح جراغي أن الإدارة الأميركية رفعت منذ الأيام الأولى للحرب سقف مطالبها وشروطها تجاه إيران، معتقدة أن الضغوط العسكرية المباشرة ستدفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية تمس سيادتها وموقعها الإقليمي. إلا أن مجريات الحرب أثبتت، أن الولايات المتحدة لم تتمكن من فرض أي من الشروط التي أعلنتها، بل وجدت نفسها مضطرة إلى مراجعة حساباتها نتيجة الخسائر والتحديات التي واجهتها.
أشار إلى أن واشنطن كانت تراهن على إضعاف إيران وإجبارها على القبول بمعادلات جديدة في المنطقة، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، إذ تمكنت طهران من الحفاظ على مواقفها الأساسية ومنع خصومها من تحقيق أي مكسب استراتيجي حاسم. وأضاف أن نتائج الحرب عكست تراجع القدرة الأميركية على إدارة الصراعات الإقليمية بالأسلوب الذي اتبعته خلال العقود الماضية، ما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في توازنات المنطقة.
تآكل فعالية منظومات الردع الأميركية
لفت جراغي إلى أن إحدى أبرز نتائج الحرب تمثلت في تراجع فعالية منظومات الردع الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط. فالقواعد العسكرية الأميركية والرادارات المتطورة وشبكات المراقبة والإنذار المبكر التي كانت تشكل ركائز الحضور العسكري الأميركي تعرضت، لاختبارات قاسية كشفت حدود قدرتها على حماية المصالح الأميركية وحلفائها.
أكد أن هذه التطورات أضعفت صورة القوة الأميركية في المنطقة وأثارت تساؤلات جدية لدى حلفاء واشنطن حول قدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية التي طالما وعدت بها. كما أن الكلفة العسكرية والسياسية للحرب دفعت الإدارة الأميركية إلى اعتماد مقاربة أكثر حذرًا في التعامل مع التطورات اللاحقة.
الخسائر الإيرانية لم تمس جوهر الدولة
في تقييمه للوضع الداخلي الإيراني، شدد جراغي على أن إيران تكبدت خسائر كبيرة على المستويات الاقتصادية والعسكرية والبشرية، إلا أن هذه الخسائر لم تتحول إلى خسائر استراتيجية تهدد وجود الدولة أو استقرار مؤسساتها.
أوضح أن النظام السياسي الإيراني يقوم على بنية مؤسساتية متشابكة ومعقدة تجعل استهداف شخصيات أو مواقع محددة غير كافٍ لإحداث انهيار في هيكل الدولة. وأضاف أن إيران أثبتت خلال الحرب قدرتها على امتصاص الضربات والاستمرار في العمل بصورة طبيعية رغم الظروف الاستثنائية التي مرت بها.
أشار إلى أن خصوم إيران أخطأوا في تقدير طبيعة النظام السياسي الإيراني، وافترضوا أن استهداف بعض مراكز القوة أو القيادات سيؤدي إلى تفكك الدولة، لكن الوقائع أثبتت أن مؤسسات الجمهورية الإسلامية حافظت على تماسكها وقدرتها على إدارة الأزمة.
صمود الجبهة الداخلية وإفشال رهانات المعارضة
أكد جراغي أن العامل الأهم في إفشال المخططات الأميركية و"الإسرائيلية" كان تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية. فقبل اندلاع الحرب، راهنت العديد من مراكز الدراسات الغربية وبعض جماعات المعارضة الإيرانية في الخارج على أن أي مواجهة عسكرية ستؤدي إلى احتجاجات واسعة وانقسام داخلي يفضي إلى إضعاف النظام.
لكن ما جرى على أرض الواقع وفق جزاغي كان مختلفًا تمامًا، إذ شهدت المدن الإيرانية حالة واسعة من التضامن الوطني، ونزل المواطنون إلى الساحات والشوارع دعمًا للدولة والقوات المسلحة والقيادة السياسية،كما أن هذا المشهد شكّل صدمة حقيقية للدوائر التي بنت تقديراتها على فرضية الانهيار الداخلي.
أضاف أن الشعب الإيراني تعامل مع الحرب باعتبارها تهديدًا للسيادة الوطنية، الأمر الذي عزز مشاعر الوحدة الوطنية وحوّل العدوان الخارجي إلى عامل من عوامل التماسك الداخلي بدلًا من أن يكون سببًا للانقسام.
استمرار القدرات الصاروخية وتطويرها خلال الحرب
في الجانب العسكري، أوضح جراغي أن الحرب لم تنجح في القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية كما كان مخططًا لها. وأكد أن الصناعات الدفاعية الإيرانية، القائمة على الإنتاج المحلي والخبرات الوطنية، تمكنت من مواصلة العمل رغم ظروف الحرب.
أشار إلى أن إيران استثمرت فترة المواجهة وما تلاها في معالجة الثغرات التي ظهرت في بعض المنظومات الدفاعية والهجومية، وعملت على تطوير قدراتها الصاروخية وتعزيز جاهزيتها. كما لفت إلى أن العديد من المنشآت الصاروخية الاستراتيجية بقيت خارج دائرة الاستهداف الفعال، ما سمح لطهران بالحفاظ على قوة الردع التي تمتلكها وأن استمرار الإنتاج العسكري خلال الحرب يمثل دليلًا على متانة البنية الصناعية الدفاعية الإيرانية وقدرتها على الصمود أمام الضغوط والاعتداءات.
الحرب كشفت حدود القوة "الإسرائيلية"
بيّن جراغي أن الحرب أظهرت أيضًا حدود القوة العسكرية الإسرائيلية رغم ما تمتلكه من قدرات تقنية وتسليحية متقدمة. وأوضح أن كيان الاحتلال اعتمد بصورة كبيرة على الدعم الأميركي والغربي وعلى شبكات الرصد والدفاع المنتشرة في المنطقة لمواجهة القدرات الإيرانية.
أشار إلى أن التجربة أثبتت أن التفوق العسكري لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية، وأن امتلاك أحدث الأسلحة لا يضمن القدرة على فرض الإرادة السياسية على الخصوم إذا كانت لديهم إرادة صلبة وقدرات ردع فاعلة وأن المواجهة كشفت حجم الاعتماد الإسرائيلي على المساندة الخارجية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول قدرة الكيان على خوض مواجهات استراتيجية طويلة الأمد بصورة منفردة.
استهداف محور المقاومة وإفشال مشروع إعادة تشكيل المنطقة
أكد جراغي أن الحرب لم تكن موجهة ضد إيران فقط، بل استهدفت أيضًا محور المقاومة بأكمله و أن الخطة التي وضعتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" كانت تقوم على ضرب إيران أولًا، ثم الانتقال إلى الساحات الأخرى في المنطقة لإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية بما يخدم المشروع الإسرائيلي.
أشار إلى أن لبنان كان في صلب هذه الحسابات، حيث سعى الكيان "الإسرائيلي" إلى استغلال نتائج الحرب ضد إيران للانتقال إلى مرحلة جديدة تستهدف حزب الله والمقاومة اللبنانية وفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة إلا أن صمود إيران واستمرارها في المواجهة حالا دون تحقيق هذه الأهداف، كما أن المقاومة اللبنانية نجحت في منع الاحتلال من فرض مشروعه على الساحة اللبنانية، ما أدى إلى سقوط أحد أهم رهانات الحرب.
حزب الله لعب دورًا حاسمًا
شدد جراغي على أن حزب الله كان أحد أبرز العوامل التي ساهمت في إفشال المخططات "الإسرائيلية" إذ أنه لم يكتفِ بالصمود والدفاع، بل نجح في تطوير أساليب عمله والانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة المبادرة وفرض المعادلات في الوقت الذي كان يراهن فيه العدو على إضعاف المقاومة أو إنهائها بعد الانتهاء من المواجهة مع إيران، إلا أن الوقائع أثبتت أن هذا الهدف لم يتحقق، وأن المقاومة ما زالت تشكل قوة مؤثرة في المعادلة الإقليمية وذلك يعود للحاضنة الشعبية للمقاومة في لبنان التي لعبت دورًا مهمًا في إحباط الضغوط السياسية والعسكرية التي مورست خلال الحرب.
مضيق هرمز... الورقة الاستراتيجية الأهم
في حديثه عن مضيق هرمز، أوضح جراغي أن المضيق تحول خلال الحرب إلى أحد أبرز عناصر القوة الإيرانية وأكثرها تأثيرًا في الحسابات الدولية. فالمضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والطاقة العالمية، يمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا للعالم بأسره وأن التطورات المرتبطة بالمضيق أثرت بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وعلى الاقتصاد الدولي، ما دفع العديد من القوى الكبرى إلى إعادة تقييم مواقفها تجاه الأزمة فضلًا عن أن امتلاك إيران لهذه الورقة الاستراتيجية منحها قدرة إضافية على التأثير في مجريات الصراع وعلى فرض حضورها في المعادلات الإقليمية والدولية.
الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة
أشار إلى أن العديد من دول المنطقة بدأت تدرك أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد كافيًا لضمان الأمن والاستقرار، الأمر الذي قد يدفعها إلى البحث عن ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على الحوار والتعاون المشترك.
رأى أن المرحلة المقبلة ستشهد صراعًا بين المعادلات القديمة التي سعت واشنطن إلى تكريسها والمعادلات الجديدة التي فرضتها نتائج الحرب، مؤكدًا أن إيران خرجت من المواجهة وهي تمتلك موقعًا أكثر تأثيرًا في رسم مستقبل المنطقة، فيما فشلت الولايات المتحدة و"إسرائيل" في تحقيق الأهداف الكبرى التي دفعت بالحرب من أجلها.
ختم جراغي حديثه لـ"العهد" بالتأكيد أن نتائج الحرب ستترك آثارًا بعيدة المدى على مستقبل "الشرق الأوسط" والعالم إذ أن المواجهة أسهمت في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وكشفت حدود الهيمنة الأميركية التي سادت لعقود.