صحيفة المدن
أعادت الباخرة BASILIS L التي تأخّرت عن تفريغ نحو 30 ألف طن متري من المازوت لصالح المؤسسة العسكرية، التذكير بتكرار فصول طلب البواخر وانتظارها قبالة الشاطىء وتأخير تفريغها بسبب عدم اكتمال إجراءات التفريغ، ومنها تأمين الاعتمادات المالية، ممّا يرتّب على الدولة غرامات مالية يشكّل دفعها هدراً للمال العام، لأنّ تراكمها يأتي بسبب أخطاء أو إهمال في إتمام الإجراءات اللازمة.
إقفال الملف
ملفّ الباخرة الذي أقفل تقنياً بعد إفراغها "بتاريخ 6/7/2026، في منشآت النفط في طرابلس"، وفق بيان لوزارة الطاقة والمياه، لا يزال مفتوحاً ضمنياً، لأنّه يحمل هدراً للمال العام، بسبب غرامات التأخير البالغة 1 مليون و260 ألف دولار، هي مجموع غرامات بقيمة 18000 دولار يومياً، تراكمت لنحو 70 يوماً، وكذلك بسبب الاحتمال الكبير لتكرار طلب بواخر أخرى وتأخير تفريغها وترتيب غرامات جديدة. (راجع المدن)
ولطيّ الصفحة، عرضَ وزير الطاقة والمياه جو الصدي، في جلسة مجلس الوزراء يوم أمس، ما حصل في ملفّ الباخرة، بهدف "الاطّلاع وأخذ العلم". وكانت الوزارة قد أوضحت في بيان سابق أنّها لا تتحمّل مسؤولية تأخير الإفراغ، وأكّدت أنّ ذلك حصل بسبب أنّه "بتاريخ وصول الباخرة لم تكن الأموال العائدة للمؤسسات الأمنية والجيش اللبناني والمؤسسات العامة قد أحيلت إلى حساب المنشآت. كما استغرق تحويل هذه الأموال في المصرف المركزي من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي وقتاً أكثر من المتوقع عادة"، وبالإضافة إلى ذلك "ظهرت مشكلة جديدة مع رفض المصرف المراسل تعزيز الاعتماد دون إفادة مصرف لبنان بالأسباب التي دفعته للرفض. مع الإشارة إلى أنَّ المصرف المراسل كان عزز سابقاً عدة إعتمادات للشركة المورّدة، كما وافق سابقاً على إعتماد هذه الباخرة".
أفرغت الباخرة وسُجِّلَت الغرامات على عاتق الخزينة العامة، وانتهى الأمر هذه المرّة، لكن لا أحد يضمن تكرار هذه الحلقة ضمن مسلسل معتمد في أغلب الشحنات المطلوبة.
مسؤولية مشتركة
تكرار المشكلة لم يعد مستغرَباً، بل المستغرب هو عدم تحرّك الجهات الرقابية. وبحسب محلل سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق، غسان بيضون "لا يوجد تنسيق بين الجهات المعنية بشراء مختلف المشتقات النفطية لصالح الجهات الرسمية". وبرأيه، الغياب ليس صدفة، بل إنّ "المسؤوليات مقسّمة وموزّعة بهدف إضاعة الرقابة وعدم إمساك أي جهة بطرف الخيط الذي يوصل إلى ضبط عملية الاستيراد".
بيضون الخبير في هذا الملف بفعل شغلِه منصب مدير عام الاستثمار في وزارة الطاقة قبل تقاعده، يؤكد في حديث لـ"المدن" أنّ الحل سهل، وهو تفعيل أنظمة الرقابة وضبط عملية الاستيراد. وبرأيه فإنّ "قواعد المحاسبة العمومية والأنظمة المالية تقتضي قبل عملية الشراء أو التلزيم، تأمين الاعتمادات المالية، وتنظيم توقيت وصول الشحنة في الوقت المناسب لإفراغها".
ويحمّل بيضون المسؤولية المشتركة لكلّ من "مصرف لبنان ووزارة المالية ووزارة الطاقة، ولمؤسسة كهرباء لبنان عندما تكون الشحنة لها، فضلاً عن كل جهة لها علاقة بالشحنة المطلوبة". أما التبريرات التي عرضتها وزارة الطاقة، لا تخرجها من دائرة المسؤولية، وفق بيضون، لأنّها "الجهة الوسيطة التي اشترت الشحنة، والتي يفترض بها التأكّد من سلامة المسار المؤدّي إلى إتمام العملية بالصورة المطلوبة ومن دون ترتيب أيّ أعباء إضافية على الخزينة العامة بصورة تهدد المال العام، خصوصاً وأنّ تأخير الإفراغ وترتيب غرامات على التأخير، ليس أمراً طارئاً أو مستجداً، بل يتكرّر دائماً، ما يستدعي من وزارة الطاقة أخذ ذلك بعين الاعتبار واستباق أي عراقيل، لأنّ الوزارة مؤتمنة على المال العام".
بالتوازي، يعتبر بيضون أنّه لا يجب إقفال الملف مع إفراغ الشحنة، بل "يجب إحالة الملف إلى ديوان المحاسبة والنيابة العامة لديه، لأنّ المادتين 60 و61 من قانون تنظيمه، تشدّد على أنّ كل مخالفة من شأنها إلحاق الضرر بالمال العام، يجب على الموظّف الذي يواجهها، الإبلاغ عنها تحت طائلة الملاحقة، فأين نحن من تطبيق القانون ومن تحميل المسؤوليات الشخصية إلى أصحابها؟". وإلى جانب مسؤولية وزير الطاقة "يتحمّل مجلس الوزراء جزءاً من المسؤولية لأنه يجب أخذ العلم بأداء الوزير، والبحث عن حلول للمشكلة المطروحة". وفي الوقت عينه "على مصرف لبنان أن يأخذ علماً بالأموال التي يفترض به تأمينها بالدولار، لتلافي التأخير عند وصول الشحنة".
ملف تأخير إفراغ البواخر ليس جديداً، والمسؤوليات المرتبطة به متشعّبة ومتداخلة، ومع ذلك، فإنّ المسار الإداري المعتمد ضمن الإدارات والمؤسسات العامة، لا يصبّ في خانة تصحيح المسار، بل في خانة ضمان استمراره.