جابر عن تمويل إعادة الإعمار: لا تقول فول ليصير بالمكيول

post-img

خضر حسان (صحيفة المدن)

ينتظر الجنوبيون طيّ صفحة الحرب بصورة نهائية وضمان العودة الآمنة إلى بيوتهم، على عكس القلق السائد راهناً رغم وقف إطلاق النار. وبانتظار تحقيق تقدّم واضح في هذا المجال، يبقى من الملحّ حسم ملفّ رفع الأضرار وتحديد حجمها الفعلي والبدء بمرحلة التعويض على المتضرّرين وإعادة الإعمار. وتمهيداً لذلك، تقوم الوزارات والإدارات المعنية بالخطوات الأولى، ومنها على سبيل المثال، عمل وزارة الأشغال العامة والنقل، بالتعاون مع مجلس الجنوب، على إعداد دراسة للكشف على الجسور المتضرّرة. على أنّ خطوات أعمق لا تزال مطلوبة، وترتبط مباشرة بالنازحين والمتضرّرين، لكنّها تنتظر التمويل الذي لا تملكه الدولة. لكن وزير المالية ياسين جابر، يأمل أن يبادر أشقاء لبنان وأصدقائه إلى تأمين التمويل الكافي لتنفيذ المشاريع المطلوبة لضمان عودة النازحين إلى ديارهم.

دعم النازحين وتأمين عودتهم

رغم ضآلة الإمكانيات المالية لدى الدولة، يبقى هناك ما يمكن القيام به عبر خطوات أوّلية تدعم عودة النازحين إلى قراهم وتحاول تأمين احتياجات الذين لا يمكنهم العودة بسبب استمرار احتلال قراهم وتدمير بيوتهم وغياب البنية التحتية لتأمين متطلبات الحياة اليومية. وهو ما أكّده وزير المالية ياسين جابر خلال جولته التفقدية على الجنوب، للاطلاع على حجم الأضرار التي خلفتها الاعتداءات الإسرائيلية.

ومن بلدية صور حيث اجتمع جابر بالنواب عناية عز الدين، علي خريس، حسين جشي، بالإضافة إلى قائمقام صور محمد جفال ورئيس بلدية صور حسن دبوق، إلى جانب رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر والمدير العام للريجي ناصيف سقلاوي، أكّد جابر على المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة. وأشار إلى أنّ الدولة تعمل على تأمين احتياجات النازحين وتسهيل عودتهم إلى القرى التي يمكن الوصول إليها. ولفت النظر إلى أنّه "سنبدأ العمل في المرحلة الأولى على إزالة الركام وإعادة الخدمات العامة من كهرباء ومياه وهاتف". ولتأمين الاحتياجات، توجّه جابر إلى "أشقّاء وأصدقاء لبنان"، طالباً منهم "الوقوف إلى جانب لبنان في محنته". وقال جابر إنّ الدولة تعمل على "تأمين بدلات إيواء للنازحين وتجهيز مراكز إيواء في المناطق التي يتواجدون فيها". وكخطوات عملية في هذا الاتجاه، كشف جابر أنّ "وزارة الأشغال العامة بدأت مع مجلس الجنوب بإعداد دراسة للكشف على الجسور المتضررة".

بالتوازي، أكّد حيدر أنّ "مجلس الجنوب كان يقوم بواجبه خلال الحرب وسيواصل دوره خلال فترة وقف إطلاق النار". وعلى مستوى المشاريع المفترض تنفيذها، أوضح حيدر أنّ هناك أكثر من مرحلة يجب العمل عليها "وفي المرحلة الأولى سيستمر دعم النازحين. وفي المرحلة الثانية سيتم فتح الطرقات وإزالة الردم والتزفيت لتسهيل عودة الناس. وبعدها سيتم العمل على مسح الأضرار سواء في المباني السكنية أو البنى التحتية لتحدد الدولة حجم الأضرار وتوزّع الأدوار بين الوزارات المعنية لتنفيذ المشاريع".

ومع أنّ أهالي بعض القرى عادوا إليها، خصوصاً القرى المحيطة بمدينة صور، إلاّ أنّ الكثير من القرى لم تشهد عودة أهاليها بعد. ولذلك، أكّد حيدر أن الدولة "تعمل على تأمين ما يلزم للناس الذين هدمت بيوتهم ولا مكان آخر يعودون إليه. ومن الخيارات المطروحة، تأمين بيوت جاهزة أو استعمال مبانٍ حكومية غير مستخدمة، سيجري ترميمها واستعمالها". بعد ذلك، تأتي بحسب حيدر، مرحلة "دفع التعويضات للناس لتمكينهم من استئجار منازل".

بانتظار التمويل

المشاريع كثيرة والأفكار أكثر، لكن العبرة بتنفيذها على الأرض. فالترجمة العملية تحتاج إلى التمويل الكافي، وهو مفقود حالياً. إذ أكّد جابر في حديث لـ"المدن" أنّ "الدولة لا تملك المال الكافي لإنجاز هذه المشاريع. وهناك وعود دولية بتأمين التمويل الكافي لإعادة الإعمار. لكن "لا تقول فول ليصير بالمكيول". على أنّ التجربة مع الوعود الدولية غير مشجّعة كثيراً، فالمرحلة الأولى من الحرب التي استمرّت 66 يوماً وأعقبها وقف لإطلاق النار، لم تسفر عن تدفّق للأموال بالحجم المطلوب، وأبرز ما أفرج عنه، كان اتفاقية القرض الموقّعة مع البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لتمويل إعمار البنى التحتية في المناطق المتضرّرة. ويضاف إليها مبلغ 75 مليون يورو مقدّم من البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية. فالتمويل الدولي ارتبط بمطالب سياسية تتعلّق بنزع سلاح حزب الله، وهو أمر لا يمكن حسمه سريعاً، ويرتّب ذلك تأخير عملية التمويل، وضمناً عدم إنجاز المشاريع المرتبطة بتسهيل عودة النازحين.

التخوّف من عدم تأمين التمويل اللازم هو "بيت القصيد بالنسبة للجنوبيين"، وفق ما أكّدته مصادر مواكبة لملف إعادة الإعمار على مستوى منطقة صور. وأشارت المصادر في حديث لـ"المدن"، إلى أنّ "زيارة الوزير مهمة على المستوى المعنوي، إذ تؤكّد حضور الدولة في الجنوب وتحضيرها للمشاريع المفترض تنفيذها لتأمين عودة الناس إلى قراها. لكن في الواقع، لا يمكن البناء على أي خطوط عريضة لمشاريع لم تُحسَم عملية تمويلها بعد". ولفتت المصادر النظر إلى أنّ "الناس تعبت من الوعود. فهناك مَن لم يعد إلى منزله منذ 8 تشرين الأول 2023، بل لا يزال يسمع الوعود نفسها من دون تنفيذ. وهؤلاء الذين يعانون، لا يهمّهم وجود المشاريع، بل تنفيذها على أرض الواقع. وبالنسبة إليهم الحرب مستمرة والمعاناة متواصلة". ولذلك "من المهم أن تضع الوزارات المعنية خططاً للعمل، لكن الأهم تأمين التمويل والغطاء السياسي الدولي لتثبيت وقف إطلاق النار وضمان انسحاب العدوّ الإسرائيلي من الجنوب، وتسريع عودة النازحين إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار".

ولترجمة المخاوف، توجّهت إحدى النازحات من بلدة الضّهَيرة إلى مدينة صور، بحديث إلى جابر، معبّرة عن وجعها خلال رحلة نزوحها "المستمرة منذ 3 سنوات". وأكّدت أنّ "المساعدات لا تصل إلى جميع النازحين من أي وزارة كانت، خصوصاً وزارة الشؤون الاجتماعية". وأكّدت أنّ "وجع النازحين يجب أن يصل إلى الجميع". وطالبت بـ"تأمين أجرة المنازل للنازحين، خصوصاً أنّ أغلبهم بلا عمل". ولفتت النازحة النظر إلى أنّها خسرت عملها بفعل الحرب.

ينتظر لبنان الكثير على المستوى السياسي والاقتصادي والمالي، ومع ذلك، لا شيء يمكن الجزم به، خصوصاً ملفّ تمويل إعادة الإعمار والبدء بالمشاريع المرتبطة به. ولذلك، يتفق النازحون مع ما عبّر عنه جابر، حول عدم الركون إلى أنّ التمويل سيتدفّق قريباً رغم الوعود من الأشقاء والأصدقاء. فحسابات البيدر تختلف عن حسابات الحقل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد