وضعت السلطة اللبنانية، في مسارها التنازلي المجاني، لبنانَ أمام مفترق طرق مصيري يهدّد هويته السياسية ووحدته الكيانية، ويسقط وجوده بصفته دولة ذات سيادة مستقلة. لقد أقحم إعلان ما يُسمى "اتفاق الإطار الثلاثي"، والذي وقعته مندوبة السلطة في واشنطن ندى معوض ونظيرها الصهيوني برعاية أميركية مباشرة، البلاد في مأزق سياسي وميداني، فيما تحاول الأدوات الرسمية وتوابعها من الأبواق الإعلامية تسويق الإعلان على أنه إنجاز سيادي وخطوة إنقاذية نحو استعادة الاستقرار والانسحاب.
لكن المعطيات والنصوص والمواقف تكشف فجوة سحيقة، بين حسابات السلطة الحالية المتماهية مع المشروع الأمريكي - الإسرائيلي، وبين الواقع الميثاقي والدستوري والشعبي الذي يمثله منطق المقاومة، ما ينذر بدفع لبنان نحو نفق الانقسامات الداخلية الحادة وتشظّي بنية النسيج الوطني اللبناني.
تأتي خطورة هذا الاتفاق، في توقيته ومضمونه، كونه يمثل انقلابًا صريحًا ومكتمل الأركان على الأوراق السيادية والسياسية التي كان يمكن للبنان الرسمي الاستناد إليها لتحقيق مصالحه العليا وفرض انسحاب غير مشروط للاحتلال من الأرض اللبنانية المحتلة، وعلى رأسها "مذكرة التفاهم" الإيرانية - الأميركية التي نصّت على وقف الحرب على لبنان بندًا أولًا ورئيسًا، وغير قابل للتجزئة أو التسويف.
هذه المذكرة، والتي وُقعت في نيسان ٢٠٢٦ ضمن مسار محادثات باكستان (إسلام آباد)، ضَمِنت بشكل لا لبس فيه سلامة أراضي لبنان وسيادته الكاملة، وربطت الانسحاب الإسرائيلي الشامل بجدول زمني محدد وصارم لا يتجاوز الستين يومًا من دون قيد أو شرط داخلي يرتبط بسلاح المقاومة أو بتركيبتها الأمنية. إلا أن السلطة اللبنانية، والممثلة بثنائي التنازل جوزف عون ونواف سلام, اختارت بملء إرادتها، وبإيعاز خارجي واضح، التخلي عن عناصر القوة هذه، فرفضت توظيف الأوراق الإقليمية الضاغطة لتمضي بدلًا من ذلك نحو مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني بإملاءات أميركية وقحة تولّى هندستها ورعايتها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. الهدف الرئيسي هو تقويض مفاعيل مسار إسلام آباد ومنع أي تقارب دولي؛ قد يصب في مصلحة لبنان ومقاومته وشعبه الصامد.
إن التدقيق التحليلي المعمق، في بنود "اتفاق الإطار الثلاثي" التي نشرتها الخارجية الأميركية، يسقط سريعًا وبشكل قاطع الأقنعة التجميلية والشعارات السيادية الفضفاضة كلها التي حاولت الحكومة اللبنانية ارتداءها لتسويغ خطوتها. إذ إن الحديث الرسمي، عن بسط سلطة الدولة والجيش اللبناني على الأراضي كاملة وتطبيق القرار الأممي الرقم 1701 ومندرجات اتفاق الطائف، ما هو إلّا غطاء شرعي وسياسي لتمرير لأجندة الإسرائيلية وتنفيذها، والتي عجز جيش الاحتلال الصهيوني عن تحقيقها في الميدان العسكري بفضل صمود المقاومين وبسالتهم وتضحياتهم على الجبهات.
يتجلى هذا الأمر الخطير بوضوح، في تلك المادتين، واللتين ترهنان الانسحاب الإسرائيلي بالتحقق الفعلي من نزع سلاح "الجماعات المسلحة" وتفكيك بنيتها التحتية بالكامل، وتحديد ما سُمي بـ "مناطق تجريبية" يتولى فيها الجيش اللبناني، تدريجيًا وبشكل متتالٍ، المسؤولية الأمنية تحت عين الرقابة الإسرائيلية اللصيقة وبإشراف مباشر من "فريق تنسيق عسكري مشترك" بمشاركة أميركية فاعلة.
هذا الترتيب المذل يعني بالمكشوف إعطاء العدو الصهيوني سلطة منح أو حجب "شهادة حسن سلوك" للدولة اللبنانية وجيشها. هي الشهادة التي سيتحكّم من خلالها بتوقيت الانتقال ومساره من مرحلة إلى أخرى. يتطابق هذا المضمون تمامًا مع ما سارع إلى إعلانه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو متباهيًا بما وصفه "إنجازًا كبيرًا لإسرائيل". إذ أكد، بوضوح، أن الاتفاق يمثل "ضربة كبيرة لإيران التي حاولت فرض انسحاب علينا من جنوب لبنان"، مشددًا على أن: "أهم ما في الاتفاق هو أننا سنبقى في المنطقة الأمنية الواقعة تحت سيطرتنا".
لم يتوقف نتنياهو عند هذا الحد، لقد رسم السقف الاحتلالي بوضوح كلي؛ قائلًا: "سنبقى في جنوب لبنان طالما لم ينزع سلاح حزب الله، ولن نسمح له ولأهل الجنوب بالدخول إلى المنطقة الأمنية"، مضيفًا بنبرة الوصي والمتحكم ميدانيًا وسياسيًا: "سنسمح للجيش اللبناني بالانتشار والسيطرة على مناطق معينة في الجنوب، ونؤكد عدم وجود أي دور لإيران وحزب الله في لبنان".
تشرعن هذه التصريحات الإسرائيلية بقاء الاحتلال لسنوات طويلة قادمة، وتكرس سلطته الفعلية على الأرض اللبنانية، محولةً إياها بقرار من حكومة بيروت إلى رهينة، والمواطنين المهجرين إلى أوراق ضغط وابتزاز مستمرة. هذا يثبت أن "اتفاق الإطار"، في جوهره، هو صك إذعان يمنح "تل أبيب" حق الرقابة على الخطوات الأمنية اللبنانية، وتأكيدًا لما أعلنته رئاسة الوزراء الإسرائيلية صراحة بأنها "ستحافظ على حرية العمل العسكري داخل الشريط الأمني في لبنان".
بناء على ما تقدم؛ يكتسب موقف قيادة المقاومة، والذي عبر عنه بوضوح سماحة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم والنائب حسن فضل الله، شرعيته الوطنية والدستورية والشعبية القصوى في مواجهة هذه السقطة المريعة والمخزية للسلطة اللبنانية. إن معارضة هذا الاتفاق ليست مجرد مناكفة سياسية عابرة أو صراع على النفوذ والحصص داخل النظام اللبناني، هي معركة دفاع وجودية عن جوهر الميثاق الوطني والدستور اللبناني، وتحديدًا المادة 52 منه، والتي تحظر بشكل قاطع ولا لبس فيه على أي سلطة أو شخص إلغاء العداء مع الكيان الإسرائيلي أو إبرام اتفاقات ومعاهدات تمس بالسيادة الوطنية والحدود الجغرافية، من دون وفاق وطني جامع وثقة دستورية حقيقية منبثقة من إرادة الشعب اللبناني بمكوناته كافة.
إن السلطة الحالية، بإقدامها على هذا التوقيع المذل في العاصمة الأميركية واشنطن، تصبح جهة فاقدة تمامًا للشرعية الميثاقية والدستورية، وحين تتفاوض من موقع الإذعان الكلي والتنازل المجاني لمصلحة المعتدي، من دون أن تملك في الواقع أي أدوات فعلية أو غطاء شعبي لفرض هذه الإملاءات والالتزامات على الأرض، لا سيما وأنها تقف مخصامة، وبشكل واضح وحاد، لأكثر من نصف الشعب اللبناني الذي يرى في سلاح المقاومة الضمانة الوجودية والأمنية الوحيدة والفعالة أمام الأطماع الصهيونية التاريخية في مياه لبنان وأرضه وثرواته.
إن تماهي الحكومة اللبنانية ورئيسها مع الرغبات والإملاءات الأميركية والصهيونية يحمل، في طياته، بذور تفجير صاعق في الداخل اللبناني، وهو مأرب وهدف خبيث لم يعد الاحتلال الإسرائيلي يجهد لإخفائه أو مواراته. لقد بات يجاهر به في وسائل إعلامه وقنواته السياسية الرسمية من دون خجل. إذ حين تصوّر القناة 13 الإسرائيلية مستقبل لبنان على أنه استراتيجية مفتوحة نحو دفع البلاد إلى أتون حرب أهلية مدمرة، وترى علانية أن "لبنانيين يقاتلون لبنانيين وإسرائيل تراقب بارتياح من وراء الحدود" هو الهدف والغاية الأساسية التي وضعتها "تل أبيب" وواشنطن منذ اللحظة الأولى للعدوان، هي تضع النقاط على الحروف وتكشف حقيقة "اتفاق الإطار" بوصفه "حربًا أهلية مفوّضة بالوكالة ومُعاد تسويقها للرأي العام على أنها اتفاق سلام واستقرار".
إن محاولة زج الجيش اللبناني الوطني في مواجهة مباشرة مع المقاومة وحاضنتها الشعبية الواسعة، تحت مسمى "احتكار القوة ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية"، هي قمة المؤامرة والشرك الصهيوني. هي المحاولة الخبيثة التي أفشلها ويُفشلها دائمًا وعي المقاومة القيادي والمسؤول بتأكيدها القاطع والحاسم على رفض الصدام مع الجيش الوطني اللبناني والتمسك بالمعادلة الذهبية التاريخية (الجيش والشعب والمقاومة) صمام أمان وحيدًا ونهائيًا لإنقاذ البلاد من خطر الارتهان والتقسيم والتدمير الشامل.
أمام هذا الواقع المأزوم، ينكشف "اتفاق الإطار"، بوقائعه السياسية والميدانية، ليكون مجرد حبر على ورق، وتفاهمًا منعدم الوجود الشرعي والفعلي على أرض الواقع. ذلك؛ لأن معادلات الميدان وصمود المقاتلين، في القرى والبلدات الجنوبية، والتضحيات الجسام التي قُدمت وجريمة "الأربعاء الأسود" المروعة التي ارتكبها العدو بغاراته الجوية المئة لترويع العاصمة بيروت ومختلف المناطق اللبنانية، لن تُترجم إطلاقًا في نهاية المطاف على أنها هدايا ومكاسب مجانية لنتنياهو.
هذا الأخير يحاول، بشتى الطرق، التغطية على مأزقه الاستراتيجي وفشل مشروعه العدواني بالاتفاق مع سلطة لبنانية ضعيفة لا تملك في الأصل قرارًا فعليًا أو سيطرة حقيقية على مكامن القوة في البلاد. إن التمسك بمندرجيات وبنود مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية (مسار إسلام آباد) ومتابعة الضغوط الدولية والإقليمية كافة لإلزام العدو الصهيوني بالانسحاب الفوري وغير المشروط من كل شبر من الأراضي اللبنانية المحتلة هو المسار الوطني الحقيقي الذي يحفظ كرامة البلد ودماء شهدائه وجرحاه وأسراه، بعيدًا عن الطعنات الغادرة والقرارات المشؤومة التي وجهتها الحكومة للمقاومة، منذ الثاني من آذار الماضي في أوج الحرب والعدوان. تمثل دعوة المقاومة الصادقة للسلطة اللبنانية بالتراجع عن هذا المسار التنازلي التخريبي فرصة تاريخية وأخيرة لاستعادة التوازن الوطني وبناء استراتيجية دفاعية للأمن الوطني تحمي السيادة اللبنانية كاملة، بدلًا من التفريط بها ورهنها لإملاءات اللجان المشتركة والاحتلال الإسرائيلي.
هو إطار اتفاق لن يتوقف عند الشكل العسكري والأمني وتطبيقاته على الأرض؛ سيمتد إلى الإطار السياسي الذي سيطلق يد "إسرائيل" للتحكم بالقرار السيادي اللبناني وصولاً إلى إعادة تشكيل النظام المقبل وفقًا للشروط الجيوسياسية التي تتناسب والمصالح الامريكية – الصهيونية. يتقاطع هذا الاتجاه، وفقًا للمعطيات والمواقف المعلنة، مع ما بدأت الأبواق والأدوات الإسرائيلية في لبنان بالترويج له، وفي مقدمتها تقزيم جغرافيا لبنان السياسية وتحجيم حدود الدولة السيادية وإقرار التقسيم المبني على التوزيع الطائفي تحت مظلة الفيدرالية.