د. فؤاد زمكحل (صحيفة الجمهورية)
في خطوة إيجابية للبنان، إنّ رفع القيود السعودية عن لبنان، يحمل تداعيات إيجابية مهمّة، على الصعيدَين الاقتصادي والسياسي، أبرزها تنشيط الصادرات اللبنانية، التي فقدت السوق السعودية خلال السنوات الماضية، وإشارة سياسية إيجابية، تعكس رغبة المملكة بإعادة الإنفتاح على الدولة اللبنانية، ودعم مسارها الإصلاحي.
لكنّ المهمّ هو ألّا ننسى أو نتناسى الأسباب الرئيسية، التي أجبرت المملكة على الحدّ من تصدير البضائع اللبنانية إليها منذ العام 2020، والتي كان لها تداعيات اقتصادية باهظة على الناتج المحلي والإنماء؟
لقد كان السبب الرئيسي هو تصدير الكبتاغون والمخدّرات والترويج من لبنان وعبره، إلى المملكة العربية السعودية، لضرب جيل شبابها الجديد وإغراقه بالمخدّرات، والحياة المنحرفة. فكانت هذه الحبوب تُهرَّب عبر البواخر والطائرات في المعلّبات والفاكهة، وعبر كل منتجاتنا. فدفع الثمن الاقتصاد الأبيض والشرعي، جرّاء الاقتصاد الأسود والتهريب الذي ضرب اقتصادنا في الداخل وصادراتنا في الخارج.
إنّ الرسالة المباشرة هي إعادة تعزيز الثقة بالدولة اللبنانية والاقتصاد اللبناني، وتشجيع دول الخليج الأخرى على توسيع تعاونها الاقتصادي مع لبنان، واستئناف الاستثمارات من جديد.
فرفعُ القيود بعد 6 سنوات من الإنقطاع التام والمؤذي، يدعم من جديد القطاعات الانتاجية ويُساهم في تحريك العجلة الاقتصادية، ويخلق فرص العمل، ويزيد من تدفّق العملات الأجنبية الشرعية إلى البلاد، مع إنعاش الاقتصاد السياحي الذي يمهّد إلى رفع الحظر عن إعادة السياح الخليجيّين تدريجياً وإعادة تنشيط قطاع الضيافة والعقارات.
لكنّ هذه النتائج لن تكون فورية، إذ تبقى مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية، على تعزيز الاستقرار وضبط المعابر البرية، الجوية والبحرية ومكافحة التهريب والترويج، واستكمال الإصلاحات المطلوبة.
لا شك في أنّ السوق السعودية والاستثمارات العربية تلعب دوراً استثنائياً في الاقتصاد اللبناني، الذي لا يستطيع الإنماء من دون الانفتاح العربي. وهذه القيود في السنوات الست الأخيرة كلّفتنا تراجعاً باهظاً في التبادل الاقتصادي والاستثمارات والتوظيف وكل المشاريع، فازداد الفقر وتدهورت نسبة العيش، وطُعِنَت الثقة، داخلياً، إقليمياً ودولياً.
في المحصّلة، يشكّل هذا القرار السعودي فرصة ذهبية واستثنائية للبنان، لإعادة بناء علاقاته الاقتصادية مع دول الخليج وإعادة بناء الثقة العربية والدولية، شرط أن تواكبها إصلاحات جدّية في المجالات الأمنية، السياسية والاقتصادية. إنّ لبنان على مفترق طرق، إمّا يعود إلى منطق الدولة القوية، التي تنفّذ بجدّية صارمة الإصلاحات المرجوّة في كل المجالات، وتعيد بناء علاقاتها مع كل البلدان المجاورة، كما تعيد بناء الثقة المفقودة ومحاربة الدويلات والمافيات والاقتصاد الأسود بجدّية مهما كانت الكلفة، وإمّا الاستسلام لمن أوصل البلاد إلى ما نحن عليه اليوم.
نرحِّب بهذه الفرصة الذهبية الأخيرة مع أبعادها السياسية، الأمنية والاقتصادية. ونتمنّى على الدولة اللبنانية أن تكون على قدر المسؤولية والثقة التي مُنِحت لنا للمرّة الأخيرة. نتمنّى ألّا نكون ملوك الفرص الضائعة مرّة أخرى، لكن أن نكون على مستوى هذه الفرصة الذهبية الأخيرة للبنان وشعبه واقتصاده.