مجتبى الحسيني (صحيفة الأخبار)
تُقدَّم الوثيقة الموقّعة في واشنطن، في ظاهرها، بوصفها طريقاً إلى السيادة، لكن قياسها بالدستور اللبناني والقانون الدولي يكشف أنها، في جوهرها، نقيض السيادة. فالمشكلة لا تكمن في الألفاظ التي صيغت بها، بل في آثارها القانونية والسياسية، وفي المسار الذي سلكته، وفي الحقوق التي تطلب من الدولة أن تتنازل عنها أو تعلّق تعلّقها أو تنقلب عليها.
لسنا أمام اتفاق سلام، ولا حتى تسوية متوازنة بين طرفين متكافئين، بل أمام صكّ إذعان سياسي وأمني صيغ بلغة سيادية. وهو يعاني ثلاثة عيوب جوهرية: عيب الشكل والاختصاص، وعيب في الرضا، وعيب في المضمون. وكل منها كفيل بإسقاطه، فكيف إذا اجتمعت كلها، ما يجعل الوثيقة باطلة في أصلها، لا قابلة للإبطال فحسب.
عيب الشكل والاختصاص
القضايا التي تمس الحرب والسلم، ووضع الأراضي المحتلة، ومصير القوة المسلحة في الداخل، لا تُحسم بتوقيع عابر أو تفاهم سياسي خارج المؤسسات الدستورية. فالمادة 52 من الدستور ترسم مساراً واضحاً لإبرام المعاهدات، يبدأ بالتفاوض والإبرام من رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ثم موافقة مجلس الوزراء، ويستوجب، في الحالات التي يحددها الدستور، موافقة مجلس النواب. أما المادة 65، فتجعل قضايا الحرب والسلم من القضايا الأساسية التي لا تُقرّ إلا بأكثرية موصوفة داخل مجلس الوزراء.
وعليه، فإن أي إطار يرتّب آثاراً تتصل بالحرب والسلم، أو ينقل العلاقة مع العدو من حالة العداء إلى انتظام أمني أو اعتراف متبادل، لا يمكن التعامل معه كورقة إدارية أو إعلان سياسي. وإخراج شأن بهذه الخطورة من مساره الدستوري ليس مجرد مخالفة شكلية، بل مساس بجوهر تكوين الإرادة الوطنية، إذ لا تملك أي سلطة أن تلتزم، باسم الدولة، بما يتجاوز صلاحياتها الدستورية. وعندما تقدم على ذلك، فإنها تتصرف خارج ولايتها القانونية، في ما يُعرف في القانون العام بـ«تجاوز الاختصاص»، فيغدو تصرفها عديم الأثر منذ نشأته.
وحتى لو سلكت السلطة المسار الدستوري بكل مراحله، فإن ذلك لا يضفي المشروعية على نص يصطدم بجوهر السيادة والعيش المشترك. فاختصاص المؤسسات وظيفة لحراسة الدستور، لا رخصة لنقضه. كما أن تعديل الدستور لا يشكّل مخرجاً، لأن المبادئ التي كرّستها مقدمته، وفي مقدّمها العيش المشترك والانتماء العربي، تعلو على أي تعديل. لذلك، فالإطار ليس باطلاً لأنه سلك الطريق الخطأ فحسب، بل لأنه لا طريق له أصلاً.
وقد يُقال إن الوثيقة إطار تمهيدي لاتفاقات لاحقة، وليست اتفاقاً نهائياً. لكن هذا الدفاع ينقلب على أصحابه؛ فإذا كانت مجرد إطار تمهيدي، فهي لا تُنشئ التزاماً قانونياً. وإذا شُرع في تطبيقها قبل استكمال مسارها الدستوري، فإن كل إجراء يستند إليها يصبح مفتقراً إلى السند القانوني، سواء تعلّق باعتقال أشخاص، أو مصادرة أسلحة، أو منع عودة الأهالي، أو ملاحقة من يقاوم احتلالاً قائماً.
ولا يمكن لوثيقة باطلة أن تضفي المشروعية على هذه الإجراءات، وتبقى المسؤولية القانونية قائمة بحق من أصدرها ونفّذها، وهي من جنس أفعال حكومة فيشي: سلطة توقّع باسم وطنها، وتلاحق أبناءه، خدمة لعدوّه.
عيب الرضا والإكراه
لا عقد بلا رضا، ولا رضا حراً تحت السيف. وقد وُقّعت الوثيقة في ظل احتلال، ونار لم تخمد، وتهديد لم يتوقف، وقرى معلّقة بين الدمار ومنع العودة. وما يُنتزع قبوله بالقوة يُعدّ باطلاً وفق المبادئ العامة للقانون الدولي، ولا سيما القاعدة التي تبطل الاتفاقات المبرمة تحت التهديد أو استعمال القوة خلافاً لميثاق الأمم المتحدة.
والأدهى أن السلطة، بدلاً من أن تجعل الانسحاب الكامل وغير المشروط مدخلاً لأي تفاوض، قبلت بإطار يحوّل ما هو واجب على المعتدي إلى موضوع مساومة (فيما كان أمامها مسار آخر، مذكّرة التفاهم الايرانية - الأميركية التي ضمنت سلامة الأرض والسيادة وحسمت الانسحاب الكامل من دون مقابل). فالانسحاب من أرض محتلة التزام قانوني مستقل، لا مكافأة تُمنح مقابل «حسن السلوك». وكل صيغة تجعل خروج المعتدي مشروطاً بما يقرره هو نفسه، ليست سوى قلبٍ للقاعدة القانونية والأخلاقية معاً.
ثالثاً: عيب المضمون
العيب الثالث، والأخطر، يكمن في المضمون. فالوثيقة تمسّ مسائل تعلو على أي ترتيب إجرائي: توصيف العدو، طبيعة الاحتلال، حق المقاومة، عودة الأهالي، استقلال القرار الوطني، وحق الضحايا في العدالة. وهي:
- تطفئ حالة الحرب: فلبنان ليس في فراغ قانوني تجاه إسرائيل، بل تحكمه بنية تشريعية قائمة، في مقدّمها قانون المقاطعة لعام 1955، (وفوقها ديباجة الميثاق العربي لحقوق الإنسان التي تعد الصهيونية تهديداً للسلم، والتي رفعها المجلس الدستوري إلى مرتبة النص الأعلى في قراره 2/2001 وأكده في 7 نيسان 2026). لذلك فإن أي اعتراف بالكيان أو أي ترتيبات تقترب من التطبيع تبقى ممتنعة دستورياً، لا محظورة فحسب، ولا يمكن تمريرها عبر تفاهمات أمنية ملتبسة.
- تمحو صفة الاحتلال: فإذا استُبدلت كلمة «احتلال» بألفاظ مثل «منطقة أمنية» أو «إعادة انتشار»، فذلك ليس تحسيناً لغوياً، لأن الاحتلال وفق تعريف لاهاي 1907 واقعة مادية تقوم على السيطرة الفعلية لا على التسمية. والأرض المحتلة تبقى محتلة، وواجب الانسحاب قائم، ومسؤولية المحتل لا تزول بتلطيف الألفاظ. (وقد كفى العدو مؤونة الجدل، إذ يعلن موقعوه البقاء في «المنطقة الأمنية» بما فيها قلعة الشقيف، ويصفونها بـ«الحيوية»، ولا انسحاب قبل نزع السلاح من كل لبنان. فأي انسحاب يَعِد به الإطار وصاحبه يجاهر بأنه باقٍ؟).
- تجرّم المقاومة: إذا وصفت الوثيقة المقاومة بأنها «غير قانونية»، فهي لا تعكس توصيفاً قانونياً بقدر ما تسعى إلى إنتاج واقع سياسي جديد. فمقاومة الاحتلال حقّ ثابت للشعوب في تقرير المصير، مكفول في ميثاق الأمم المتحدة وقراري الجمعية العامة 2625 و3314. ولا يجوز لدولة قصّرت في تحرير أرضها أن تحوّل هذا التقصير إلى معيار لتجريم من نهض في الفراغ الذي تركته، ولا أن تجعل عجزها معياراً لتجريم القدرة عند غيرها.
ترهن الأرض والناس بشرط: إذا جعلت الوثيقة الانسحاب رهناً بنزع السلاح عبر «مناطق تجريبية» يُقاس نجاحها وفق تقدير المعتدي لا طرف محايد، فإنها تحوّل الحق إلى اختبار مفتوح، (وهو عقاب جماعي تحظره المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة). والأخطر أن إحدى هذه المناطق - فرون - لم يبلغها الاحتلال أصلاً خلال الحرب، ما يجعل الإطار يمنحه بالتوقيع ما عجز عن فرضه بالقوة، ويكرّس توسيعاً للاحتلال لا إنهاءً له. أضف الى ذلك ربط عودة النازحين بأمن «المستوطنات الشمالية»: أمن المستوطن المقام في ظل مشروع عدواني يقيّد عودة صاحب الأرض الأصلي، وتغدو حقوق الضحية معلّقة على طمأنينة من ساهم في إنتاج مأساتها.
- تنصب وصاية على القرار الوطني: : حين ترتب الوثيقة رقابة مستمرة مرتبطة بدعم الجيش، فإنها تُعيد تعريف وظيفة المؤسسة العسكرية من الدفاع عن الأرض في مواجهة الاحتلال الى ضبط الداخل وملاحقة من يواجه الغزو. وهكذا تتحول البندقية من مواجهة من يحتل الأرض إلى استهداف من يرفض الاحتلال. كما أن منع «طرف ثالث» من ممارسة دور الردع يُسقط عملياً قدرة قائمة أثبتت فعاليتها، سواء عبر الرد بالمثل على قصف العاصمة أو عبر ربط وقف الحرب والانسحاب بتفاهمات أوسع، وهو ما تتخلّى عنه السلطة مجاناً. وأي قوة تُستدعى لا لضمان الانسحاب بل لنزع سلاح داخلي، تتحول بحكم القانون إلى طرف في نزاع سيادي لا وسيطاً محايداً.
- تتنازل عن العدالة: هنا تبلغ الوثيقة ذروة خطورتها. فتقييد اللجوء إلى المحافل الدولية هو عملياً تنازل مسبق عن حق الضحايا في المساءلة والتعويض، وهو حق تكفله المادة 91 من البروتوكول الأول. وهذا الحق لا تملكه السلطة وحدها، بل يثبت لكل من فقد بيتاً أو ولداً أو حياة كاملة، وقد شددت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان على أنه حق شخصي أصيل لا تملك سلطة التصرف به. فالتعويض عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني ليس منّة تفاوضية، بل أثر مباشر للمسؤولية الدولية، فيما تبقى المساءلة عن جرائم الحرب من القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها. وعليه، لا تملك الدولة أن تتنازل عن دم الناس أو أن تمنح براءة للمعتدي باسم من دفن أبناءه تحت الركام.
وثيقة الطائف في الميزان
لا يقف الأمر عند الدستور بالمعنى التقني، بل يمتد إلى وثيقة الوفاق الوطني في صميمها. فـ«الطائف» جعل تحرير الأرض (و«كافة الإجراءات» لإنجازه)، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب، أولوية لا هامشا. وأي إطار يشرّع بقاء الاحتلال أو يعلّق الانسحاب على شروط داخلية يناقض روح الطائف قبل نصوصه.
وقد ميّزت البيانات الوزارية المتعاقبة بين الميليشيات التي انتهت وظيفتها وبين المقاومة المرتبطة بتحرير الأرض، ما يجعل تحويل الطائف إلى ذريعة لتجريم المقاومة، في ظل استمرار الاحتلال ومنع العودة، قلباً لوظيفته. فالطائف لم يكن وثيقة لتسليم الأرض، بل لإعادة بناء الدولة على قاعدة السيادة والوفاق والتحرير. كما أن القرارات التي تمسّ الحرب والسلم أو تطال مكوّناً أساسياً من اللبنانيين لا يجوز أن تُتخذ منفردة أو تحت ضغط بعيداً عن توافق وطني حقيقي، إذ تبقى الميثاقية شرطاً وجودياً لا مجرد تفصيل شكلي.
الدستور لا يوقّع على الإذعان
لا يطلب إطار واشنطن من لبنان تنظيم انسحاب الاحتلال، بل إعادة تعريف ذاته وفق شروط المحتل: من هو العدو؟ من يملك السلاح؟ من يعود إلى قراه؟ ومن يتكلم باسم الضحايا؟
واجتماع عيوب الشكل والرضا والمضمون يجعل هذا الإطار لا ينشئ التزاماً دستورياً صحيحاً يلزم لبنان. لذلك، فإن مواجهته ليست ترفاً سياسياً ولا مزايدة خطابية، بل واجباً دستورياً لحماية وحدة البلد وحقه في الدفاع عن نفسه. فمن جعل الانسحاب مشروطاً، والعودة مشروطة، والعدالة مشروطة، والسيادة مشروطة، لا يستطيع أن يزعم أنه استعاد السيادة. والدولة التي تختزل دستورها لتسوّغ إذعاناً تكتشف، ولو بعد حين، أن الدستور لا ينام.