وائل جزيني (صحيفة الاخبار)
يحمل القرار المتعلّق بإعفاء تلامذة شهادة الثّانويّة العامّة والبكالوريا الفنّيّة من الامتحانات الرّسميّة، ومنحهم إفادات نجاح استنادًا إلى العلامات المدرسيّة، طابعًا إنسانيًّا ظاهرًا؛ إذ يستند إلى الواقع الأمنيّ وما فرضه من اضطراب وقلق وتعطّل انتظام العام الدّراسيّ. ومن هذه الزّاوية، يبدو القرار محاولة لتخفيف الضّغط النّفسيّ عن التّلامذة، وحماية عامهم الدّراسيّ من الضّياع، وعدم تحميلهم وحدهم كلفة واقع أمنيّ وتربويّ يتجاوز قدرتهم وقدرة عائلاتهم.
غير أنّ القراءة التّربويّة والمنهجيّة للقرار تكشف أنّ حسن النّيّة الإنسانيّة لا يكفي وحده لضمان العدالة. فالقرارات التّربويّة لا تُقاس بما تقصده فحسب، بل بما تنتجه من آثار على المتعلّمين، وعلى قيمة الشّهادة، وعلى مبدأ تكافؤ الفرص. ومن هذه الزّاوية، يثير القرار إشكالات عميقة، لا لأنّه ألغى الامتحان الرّسميّ فقط، بل لأنّه استبدل معيارًا وطنيًّا موحّدًا بعلامات مدرسيّة متفاوتة الشّروط والمعايير والتّوقيت، بما يهدّد العدالة بين تلامذة التّعليم الرّسميّ وتلامذة التّعليم الخاصّ.
إنّ المشكلة الجوهريّة لا تكمن في مراعاة الواقع الأمنيّ؛ فهذه المراعاة مطلوبة تربويًّا وإنسانيًّا، بل تكمن في الطّريقة التي تُرجمت بها هذه المراعاة. فقد انتقل القرار من امتحان رسميّ موحّد يخضع له الجميع، إلى اعتماد علامات مدرسيّة لا تُنتَج داخل شروط واحدة، ولا تُرفع في توقيت واحد، ولا تخضع بالضّرورة إلى درجة واحدة من الصّرامة والضّبط. وبذلك يتحوّل القرار من إجراء يُفترض أن يحمي تكافؤ الفرص، إلى إجراء قد يضرب هذا التّكافؤ في عمقه.
أوّلًا: ضرب المعيار الوطنيّ الموحّد
يمثّل الامتحان الرّسميّ، رغم كلّ الملاحظات التّربويّة عليه، معيارًا وطنيًّا مشتركًا. فهو يضع طالب التّعليم الرّسميّ وطالب التّعليم الخاصّ أمام الورقة نفسها، والمدّة نفسها، وسلّم التّصحيح نفسه، والجهة التّقويميّة نفسها. وهذه الوحدة لا تلغي الفوارق السّابقة بين الطلّاب، لكنّها تمنح الشّهادة الوطنيّة حدًّا أدنى من المعنى العامّ، بوصفها شهادة لا تصدر عن تقدير مدرسة بعينها فقط، بل عن معيار وطنيّ مشترك.
أمّا حين تُستبدل الامتحانات الرّسميّة بالعلامات المدرسيّة، فإنّ الشّهادة تفقد جزءًا أساسيًّا من مرجعيّتها الوطنيّة. فالعلامة المدرسيّة لا تنشأ في فراغ، بل تنشأ داخل ثقافة كلّ مدرسة، ونظامها، ومستوى صرامتها، وضغط أهلها، وإمكانات إدارتها، وطبيعة علاقتها بطلّابها. لذلك لا يمكن التّعامل مع معدّل 9.5/20 في مدرسة رسميّة تعاني ضعف الموارد واضطراب الانتظام التّعليميّ، بوصفه معادلًا بالضّرورة لمعدّل مماثل في مدرسة خاصّة مستقرّة ومقتدرة ومنظّمة.
إنّ العلامة المدرسيّة قد تكون مؤشّرًا مقبولًا على أداء الطالب داخل مدرسته، لكنّها لا تتحوّل تلقائيًّا إلى معيار وطنيّ عادل بين جميع المدارس. وهنا يظهر الخلل المنهجيّ؛ إذ يتعامل القرار مع علامات غير متجانسة كما لو كانت متجانسة، ومع سياقات مدرسيّة متفاوتة كما لو كانت متكافئة، ومع مدارس مختلفة في البنية والموارد والضّغط والصّرامة كما لو كانت تُنتج العلامة نفسها بالمعنى نفسه.
ثانيًا: العدالة المضروبة بين الرّسميّ والخاصّ
تتضاعف خطورة القرار حين نقرأه من زاوية العلاقة بين التّعليم الرّسميّ والتّعليم الخاصّ. فالطالب في التّعليم الرّسميّ لا يبدأ السّباق التّربويّ من الموقع نفسه الذي يبدأ منه كثير من طلّاب التّعليم الخاصّ. فالثّانويّات الرّسميّة تعمل، في الغالب، ضمن ظروف أكثر صعوبة، لذا كان الامتحان الرّسميّ، رغم عيوبه، يشكّل لحظة مساواة نسبيّة بين هذين العالمين. لحظة يخرج فيها الطالب من إطار مدرسته الخاصّة أو الرّسميّة، ليقف أمام معيار وطنيّ واحد. لكنّ القرار، بإلغاء هذه اللّحظة، أعاد الطالب إلى داخل حدود مدرسته، وجعل مصيره معلّقًا بنظامها الدّاخليّ، وبطريقتها في التّقويم، وبقدرتها على رفع العلامات أو إقفالها أو تعديلها.
وهنا يصبح السّؤال المركزيّ: هل يجوز معالجة عدم العدالة النّاتج من الواقع الأمنيّ بإجراء يُنتج عدم عدالة أعمق بين الرّسميّ والخاصّ؟ وهل يكون إنصاف الطالب بإعفائه من الامتحان إذا كان البديل هو تسليمه إلى تفاوتات مدرسيّة غير مضبوطة؟
ثالثًا: اختلال توقيت رفع العلامات وتعزيز الزّبائنيّة
من أخطر أوجه ضرب العدالة أنّ القرار لا يتعامل مع العلامات المدرسيّة بوصفها معطًى موحّدًا من حيث التّوقيت والإقفال وآليّات الرّفع. فالثّانويّات الرّسميّة تكون، في الغالب، قد رفعت العلامات الفصليّة ضمن أطر إداريّة أكثر صرامة، وأقرب إلى الإقفال الفعليّ، في حين تبقى بعض الثّانويّات الخاصّة قادرة على رفع علامات آخر السّنة، أو إعادة ترتيبها، ضمن هامش أوسع من المرونة الإداريّة.
هنا لا تعود المشكلة محصورة في اختلاف جودة التّعليم أو تفاوت صرامة التّقييم بين الرّسميّ والخاصّ، بل تصبح متّصلة بإمكان تعديل المعطى التّقويميّ نفسه قبل اعتماده أساسًا للنّجاح. فالطالب في الثّانويّة الرّسميّة يصبح أسير علامات فصليّة مرفوعة ومقفلة ضمن مسار إداريّ محدّد، بينما قد يستفيد طالب في بعض الثّانويّات الخاصّة من هامش زمنيّ وإداريّ أوسع يسمح بتحسين العلامات أو إعادة إنتاجها بما يضمن عبور عتبة النّجاح.
هذا الخلل يضرب العدالة في الصّميم؛ لأنّه يجعل علامة الرّسميّ أكثر ثباتًا وقابليّة للمحاسبة، ويجعل علامة الخاصّ، في بعض الحالات، أكثر قابليّة للمراجعة والتّعديل والضّغط. وبذلك يتحوّل القرار، من حيث لا يريد، إلى إجراء يعاقب انتظام الرّسميّ وصرامته، ويمنح الخاصّ مساحة مناورة إضافيّة.
وتزداد خطورة هذا الأمر حين يرتبط بثقافة الزّبائنيّة المدرسيّة والاجتماعيّة. فالمدرسة الخاصّة، في بعض السّياقات، ليست مجرّد مؤسّسة تربويّة، بل هي أيضًا مؤسّسة قائمة على علاقة ماليّة مباشرة مع الأهل. وهذا لا يعني التّعميم أو اتّهام كلّ المدارس الخاصّة أو التّشكيك في إداراتها، لكنّه يعني أنّ طبيعة العلاقة بين المدرسة والأهل قد تفتح الباب أمام ضغط إضافيّ: ضغط الزّبون، وضغط السّمعة، وضغط الاحتفاظ بالطلّاب، وضغط إرضاء العائلات القادرة على التّأثير.
عندئذ، لا تبقى العلامة تعبيرًا تربويًّا خالصًا عن مستوى الطالب، بل قد تتحوّل إلى موضوع تفاوض ومراعاة وضغط، خصوصًا في الحالات القريبة من معدّل النّجاح. أمّا في الثّانويّات الرّسميّة، فالهامش الإداريّ والماليّ والاجتماعيّ لهذا النّوع من الضّغط يبقى مختلفًا؛ لأنّ العلاقة بين الطالب والمدرسة لا تقوم على المنطق الزّبائنيّ نفسه. وهذا ما يجعل اعتماد العلامات المدرسيّة بدل الامتحان الرّسميّ مدخلًا لتعميق الفجوة بين الرّسميّ والخاصّ، لا لتقليصها.
رابعًا: تخفيض عتبة النّجاح ودلالته التّربويّة
يثير اعتماد معدّل 9.5/20 حدًّا أدنى للنّجاح إشكالًا تربويًّا إضافيًّا. فالانتقال من عتبة النّجاح التّقليديّة، أي 10/20، إلى معدّل أدنى قد يبدو، في الظّرف الاستثنائيّ، إجراءً تسهيليًّا أو إنسانيًّا. غير أنّ دلالته التّربويّة تبقى مقلقة، خصوصًا حين يأتي هذا التّخفيض متزامنًا مع غياب الامتحان الوطنيّ الموحّد.
فلو كان المعيار موحّدًا، لكان النّقاش حول عتبة النّجاح نقاشًا في درجة التّساهل أو التّشدّد. أمّا حين يكون المعيار نفسه غير موحّد، فإنّ تخفيض العتبة يزيد هشاشة الشّهادة. إذ لا يعود السّؤال فقط: هل نجح الطالب بمعدّل كاف؟ بل يصبح السّؤال: وفق أيّ نظام تقويميّ نجح؟ وضمن أيّ مدرسة؟ وبأيّ نوع من العلامات؟ وهل كانت هذه العلامات مقفلة فعلًا أم قابلة للتّعديل؟
إنّ الشّهادة الثّانويّة ليست مجرّد ورقة إداريّة للانتقال إلى الجامعة أو سوق العمل، بل هي إعلان عن حدّ أدنى من الجاهزيّة المعرفيّة والأكاديميّة. وحين يجتمع تخفيض العتبة مع اعتماد علامات مدرسيّة متفاوتة، تتعرّض قيمة الشّهادة الوطنيّة إلى اهتزاز مضاعف: اهتزاز في المعيار، واهتزاز في الدّلالة.
خامسًا: نظام هجين يخلق طبقيّة أكاديميّة
لا يكتفي القرار بمنح إفادات نجاح، بل يفتح في الوقت نفسه دورة استثنائيّة لفئات محدّدة، منها المرشّحون الأحرار، والطلّاب الرّاسبون في ثانويّاتهم أو معاهدهم، والطلّاب النّاجحون الذين يحتاجون إلى شهادة رسميّة مع علامات للقبول الجامعيّ أو المنح أو العمل. وهذا يخلق نظامًا هجينًا ومربكًا: فئة تحصل على إفادة نجاح، وفئة أخرى تخضع لامتحان استثنائيّ.
قد يبدو هذا التّقسيم إداريًّا مقبولًا في الظّاهر، لكنّه يطرح سؤالًا إنسانيًّا وتربويًّا حادًّا. فالطالب الذي يحتاج إلى علامات رسميّة ليس بالضّرورة طالبًا مرفَّهًا أو صاحب خيار إضافيّ، بل قد يكون طالبًا طموحًا أو محتاجًا إلى منحة جامعيّة، أي من الفئات التي يُفترض أن تكون أكثر حماية. فإذا به يجد نفسه مضطرًّا إلى خوض امتحان في ظروف استثنائيّة، بينما يحصل زميله، الذي لا يحتاج إلى منحة أو قبول تنافسيّ، على إفادة نجاح ويمضي.
هكذا لا يوزّع القرار التّخفيف النّفسيّ بالتّساوي. بعض الطلّاب يُرفع عنهم عبء الامتحان، وبعضهم يُعاد إليهم العبء مضاعفًا: عبء الامتحان، وعبء القبول الجامعيّ، وعبء الزّمن، وعبء القلق من فقدان فرصة المنحة أو السّفر أو التّسجيل. وهذا ينتج طبقيّة أكاديميّة غير معلنة، بين طالب تكفيه الإفادة، وطالب لا تكفيه الإفادة لأنّه يحتاج إلى علامات رسميّة.
سادسًا: وهم تكافؤ الفرص
يستند القرار في مقدّمته إلى مبدأ تكافؤ الفرص، لكنّ مفاعيله العمليّة قد تناقض هذا المبدأ. فتكافؤ الفرص لا يعني أن يُعفى الجميع من الامتحان فقط، بل يعني أن يكون معيار النّجاح عادلًا وقابلًا للمقارنة بين الجميع. وإذا كان طالب التّعليم الرّسميّ وطالب التّعليم الخاصّ لا يخضعان لشروط إنتاج العلامة نفسها، فإنّ الحديث عن تكافؤ الفرص يصبح ناقصًا.
تكافؤ الفرص لا يتحقّق في لحظة إعلان القرار، بل في الطّريقة التي ينعكس بها القرار على الفئات المختلفة. والقرار هنا قد يضرّ بالفئات الأضعف أكثر ممّا يحميها. فالطالب الرّسميّ الذي عاش ظروفًا تعليميّة أصعب، وكان يحتاج إلى امتحان وطنيّ موحّد ليُظهر قدرته خارج حدود مدرسته، قد يجد نفسه محكومًا بعلامات فصليّة محدودة. والطالب الذي يحتاج إلى منحة قد يجد نفسه مضطرًّا إلى امتحان إضافيّ. والطالب الحرّ قد يبقى معلّقًا بالدّورة الاستثنائيّة. أمّا الطالب الموجود في مؤسّسة خاصّة ذات قدرة أعلى على إدارة العلامات، فقد يكون في موقع أكثر راحة.
هكذا يتحوّل تكافؤ الفرص من مبدأ معلن إلى شعار مضطرب في التّطبيق. فالعدالة لا تُقاس بالنّوايا، بل بالنّتائج. وإذا كانت النّتيجة المحتملة هي توسيع الفجوة بين الرّسميّ والخاصّ، وتعزيز قدرة بعض المدارس على تكييف العلامات، وإلزام فئات محدّدة بامتحانات استثنائيّة، فإنّ القرار يحتاج إلى قراءة نقديّة عميقة في أثره، لا في مقصده فقط.
سابعًا: الضّغط على المعلّمين والإدارات
من النّاحية النّقابيّة والمؤسّساتيّة، يضع القرار المدارس والمعلّمين والإدارات في موقع بالغ الحساسيّة. فالعلامات المدرسيّة التي كانت جزءًا من تقويم داخليّ مستمرّ، تتحوّل فجأة إلى أساس لمنح إفادة نجاح بديلة عن الامتحان الرّسميّ. وهذا التّحوّل يغيّر طبيعة العلامة ووظيفتها؛ فالعلامة التي كانت مؤشّرًا تربويًّا داخل المدرسة تصبح وثيقة تقرير مصير.
هذا الواقع يعرّض المعلّمين والإدارات لضغط كبير من الأهالي والطلّاب، خصوصًا في الحالات القريبة من معدّل 9.5/20. وقد تتكثّف المراجعات والاعتراضات ومحاولات تعديل العلامات أو إعادة قراءتها، بما يضع المعلّم أمام مأزق أخلاقيّ ومهنيّ: الحفاظ على نزاهة التّقييم من جهة، ومواجهة الضّغط الإنسانيّ والاجتماعيّ من جهة أخرى.
وتزداد هذه المشكلة في التّعليم الخاصّ، حيث قد تكون العلاقة بين المدرسة والأهل محكومة، إضافة إلى بعدها التّربويّ، ببعد ماليّ ومؤسّساتيّ. فالمدرسة التي تعتمد على الأقساط قد تجد نفسها أكثر تعرّضًا لضغوط مباشرة أو غير مباشرة من عائلات تريد ضمان نجاح أبنائها. أمّا في التّعليم الرّسميّ، فإنّ الضّغط يأخذ شكلًا مختلفًا، لكنّه لا يلغي أنّ المعلّم والإدارة سيجدان نفسيهما أمام مسؤوليّة ثقيلة في لحظة شديدة الحساسيّة.
ثامنًا: التّاريخ المعتمد وضرر الصّورة النّاقصة عن أداء الطالب
يثير اعتماد تاريخ 1-3-2026 حدًّا فاصلًا في احتساب العلامات سؤالًا منهجيًّا مهمًّا. فالعام الدّراسيّ لا يُختزل في مرحلة واحدة، وكثير من الطلّاب يبدأون السّنة بمستوى متراجع ثمّ يتحسّنون في الفصل الأخير، أو يمرّون بظروف عائليّة أو صحّيّة أو نفسيّة ثمّ يستعيدون توازنهم الأكاديميّ لاحقًا.
إنّ تثبيت صورة الطالب عند تاريخ معيّن قد ينتج ظلمًا تربويًّا، خصوصًا إذا لم تكن المدارس قد أنجزت العدد نفسه من التّقييمات قبل ذلك التّاريخ، أو إذا كانت الظّروف قد أثّرت في انتظام التّعليم بصورة متفاوتة بين منطقة وأخرى، وبين مدرسة رسميّة وأخرى، وبين الرّسميّ والخاصّ. فالطالب لا يُقرأ تربويًّا من لقطة واحدة، بل من مسار. وحين يتحوّل التّاريخ الإداريّ إلى حكم نهائيّ على المسار، يصبح الخطر كبيرًا.
وتتّصل هذه النّقطة مرّة أخرى بالعدالة بين الرّسميّ والخاصّ. فإذا كانت الثّانويّات الرّسميّة قد رفعت علامات فصليّة قبل هذا التّاريخ، بينما امتلكت بعض الثّانويّات الخاصّة هامشًا أوسع لاحتساب علامات لاحقة أو ترتيب نتائج آخر السّنة، فإنّ التّاريخ نفسه لا يعود معيارًا موحّدًا، بل يصبح أداة تفاوت إضافيّة. فالمشكلة ليست في التّاريخ وحده، بل في اختلاف أثره بين قطاع وآخر.
تاسعًا: المرشّحون الأحرار والفئات المعلّقة
يبدو القرار أقلّ وضوحًا في تعامله مع المرشّحين الأحرار. فهؤلاء وُضعوا في مسار الدّورة الاستثنائيّة، من دون أن تتّضح بصورة كافية طبيعة حمايتهم إذا استمرّت الظّروف الأمنيّة التي برّرت أصلًا إلغاء الامتحانات الرّسميّة. وهنا تظهر مفارقة منهجيّة: إذا كان الواقع الأمنيّ كافيًا لتعليق الامتحان العامّ، فكيف يصبح الواقع نفسه مقبولًا لإجراء امتحان لفئات بعينها؟
هذا السّؤال لا يُطرح بهدف رفض مراعاة الطلّاب النّظاميّين، بل بهدف كشف التّفاوت في توزيع الحماية. فالقرار يحمي فئة واسعة، لكنّه يترك فئات أخرى في دائرة القلق: المرشّح الحرّ، والطالب الرّاسب مدرسيًّا، والطالب المحتاج إلى علامات رسميّة، والطالب القريب من عتبة النّجاح. وكلّ هؤلاء ليسوا خارج المنظومة التّربويّة، ولا يجوز أن يبدو مصيرهم أقلّ أهمّيّة من مصير غيرهم.
عاشرًا: البعد الإنسانيّ بين التّخفيف والضّغط المزدوج
لا يمكن إنكار البعد الإنسانيّ في القرار. فالطلّاب عاشوا سنة مثقلة بالخوف والاضطراب، وكثير منهم لم يحظَ ببيئة تعليميّة مستقرّة أو إعداد نفسيّ مناسب لخوض امتحانات مصيريّة. ومن هذه الزّاوية، يبدو إعفاؤهم من الامتحانات محاولة لتخفيف العبء ومنع خسارة العام الدّراسيّ.
لكنّ الإشكال أنّ هذا التّخفيف لا يصل إلى الجميع بالطّريقة نفسها. فهناك طلّاب سيستفيدون من القرار مباشرة، وهناك طلّاب سيدخلون في دوّامة جديدة من القلق: هل تكفي الإفادة للجامعة؟ هل أحتاج إلى علامات؟ هل أدخل الدّورة الاستثنائيّة؟ هل علاماتي المدرسيّة منصفة؟ هل كانت مدرستي صارمة أكثر من غيرها؟ هل استفاد طلّاب آخرون من تعديل علامات لم تتح لي؟
هنا تظهر المفارقة الإنسانيّة العميقة: القرار الذي يريد رفع الضّغط عن الطلّاب قد يخلق ضغطًا مضاعفًا على فئات محدّدة. والطالب الرّسميّ تحديدًا قد يشعر بأنّ الامتحان الرّسميّ، رغم صعوبته، كان فرصته للوقوف على أرضيّة واحدة مع غيره، بينما أصبح الآن مربوطًا بواقع مدرسته وبعلاماتها وبالظّروف التي أنتجتها.
الخلاصة
إنّ القرار، في ظاهره، قرار إنسانيّ استثنائيّ يستجيب لواقع أمنيّ وتربويّ صعب، لكنّه، في بنيته العميقة، يطرح إشكالًا خطيرًا على مستوى العدالة التّربويّة وقيمة الشّهادة الوطنيّة. فهو لا يكتفي بإلغاء الامتحان الرّسميّ، بل يستبدل معيارًا وطنيًّا موحّدًا بعلامات مدرسيّة مختلفة في شروط إنتاجها، وتوقيت رفعها، وقابليّتها للتّعديل، ودرجة خضوعها للضّغط الاجتماعيّ والإداريّ.
وتكمن الخطورة الكبرى في أثر القرار على العلاقة بين التّعليم الرّسميّ والتّعليم الخاصّ. فالامتحان الرّسميّ، رغم كلّ مآخذه، كان يشكّل لحظة معياريّة مشتركة بين طالب التّعليم الرّسميّ وطالب التّعليم الخاصّ. أمّا القرار الجديد فيعيد كلّ طالب إلى نظام مدرسته، وإلى قدرة هذه المدرسة على إدارة العلامات، وإلى موقعها داخل شبكة الموارد والنّفوذ والزّبائنيّة.
ومن هنا، فإنّ المسألة لا تتعلّق بإلغاء امتحان فقط، بل بإلغاء مساحة وطنيّة مشتركة للقياس. فالطالب الرّسميّ، الذي يُفترض أن يكون الأكثر حاجة إلى الحماية والإنصاف، قد يصبح الأكثر تضرّرًا من غياب المعيار الموحّد، خصوصًا إذا كانت علاماته الفصليّة قد رُفعت وأُقفلت، في مقابل هامش أوسع لبعض الثّانويّات الخاصّة في رفع علامات آخر السّنة أو تكييفها. وهذا ما يجعل القرار، من حيث لا يقصد، مدخلًا لتعزيز الزّبائنيّة في القطاع الخاصّ، وضرب العدالة تجاه التّعليم الرّسميّ.
لذلك يمكن القول إنّ القرار عادل في دافعه الإنسانيّ، لكنّه مضطرب في أثره التّربويّ والمنهجيّ. فهو يخفّف عن بعض الطلّاب، لكنّه يضغط على آخرين؛ يحمي العام الدّراسيّ، لكنّه يضعف معيار الشّهادة؛ يعلن تكافؤ الفرص، لكنّه قد ينتج تفاوتًا أعمق بين الرّسميّ والخاصّ؛ ويتحدّث باسم العدالة، بينما يفتح الباب أمام علامات لا تتساوى في شروط إنتاجها ولا في درجة نزاهتها وقابليّتها للمقارنة.
إنّ أخطر ما في القرار ليس في كونه استثنائيًّا، فالظّروف قد تفرض الاستثناء، بل في أنّ هذا الاستثناء جاء على حساب المعيار الوطنيّ الموحّد، وعلى حساب العدالة بين فئات الطلّاب، وعلى حساب الثّقة بالشّهادة الرّسميّة بوصفها شهادة دولة لا شهادة مدرسة.