الاتفاق الذي فاوَض على معنى الوطن

post-img

د. ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام

ليست كلّ الدول تُهزم عندما تخسر حربًا. بعضها يُهزم عندما يقتنع مسؤولوها أنّ ما عجزت عنه الدبابات يمكن أن تنجزه التواقيع. الأرض لا تُنتزع دفعةً واحدة. يبدأ الأمر عادةً بجملة تبدو تقنية، وفقرة تبدو إجرائية، واتفاق يُقال إنّه مؤقّت، قبل أن يكتشف الناس، بعد سنوات، أنّ الخرائط تغيّرت، وأنّ اللغة تغيّرت، وأنّ مفهوم السيادة نفسه لم يعد كما كان. من هذا المنطلق.. لا ينبغي قراءة الاتفاقات في ما تمنحه، بل في ما تعيد تعريفه؛ لأنّ أخطر الاتفاقات ليست تلك التي تغيّر الحدود، هي التي تغيّر معنى الوطن.

 الاتفاق الذي يُعيد تعريف السيادة

ليس أخطر ما ورد في النصوص المتداولة تحدثها عن ترتيبات أمنية، إنما في ما تجعله استعادة الدولة سيادتها المرتبطة بسلسلة طويلة من الشروط والتحققات والآليات المشتركة.. وهنا تكمن الإشكالية..
السيادة في الفقه الدستوري ليست جائزة تمنحها دولة أخرى، وليست امتيازًا يُستعاد بعد اختبار حسن السلوك، هي حق أصيل ملازم للدولة بمجرد وجودها. عندما يصبح بقاء القوة الأجنبية أو انسحابها مرتبطًا بتقديرها هي لمدى تحقّق الشروط، تنتقل الدولة من موقع صاحب الحق إلى موقع طالب الإذن.. هذه ليست مسألة لغوية، بل انقلاب كامل على فلسفة السيادة.

عندما يصبح المعتدي مرجعًا؟

في كل تجارب العالم، يكون المحتل هو الطرف المطلوب منه الانسحاب.. أما في هذا النموذج اللبناني، فإنّ النصوص المتداولة توحي بعكس ذلك.. إذ يبدو أنّ الطرف اللبناني هو من يجب أن ينجز سلسلة من الالتزامات، بينما يحتفظ الطرف الآخر بحق مراقبة النتائج وربط خطواته بما يراه هو تحققًا للأهداف.

إنّها معادلة استثنائية:

المعتدي لا ينسحب أولاً.. بل ينتظر ليحقّق أهدافه العدائية والتوسّعية ..
وصاحب الأرض لا يستعيد أرضه أولاً.. بل يُطلب منه أن يثبت أنّه يستحق استعادتها..
هنا لا يعود الاحتلال مجرد وجود عسكري.. يتحوّل إلى مرجع يحدّد توقيت انتهاء الاحتلال نفسه..

من يحرس الدستور عندما يوقّع الحاكم؟

الدستور اللبناني لم يترك حماية الأرض في دائرة الاجتهاد السياسي.. فوظيفة الدولة في جوهرها حماية استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. لهذا؛ أي اتفاق يُفهم منه أنه يجيز بقاء الاحتلال أو يمنحه دورًا في تقرير مستقبل أجزاء من الأراضي اللبنانية يثير، في نظر حماة الأرض والوطن أسئلة دستورية عميقة عن مدى انسجامه ومبدأ السيادة الذي يقوم عليه النظام الدستوري اللبناني.. فالدساتير لا تُكتب لتنظم الإدارة فقط.. بل لتضع حدودًا لما يجوز للحاكم أن يتنازل عنه..

أخطر ما في الاتفاق... اللغة

أحيانًا لا تحتل الجيوش الأرض؛ بل تحتل الكلمات.. فالاحتلال لا يعود احتلالً؛ يصبح "إجراءً أمنيًا".. والانسحاب لا يعود حقًا واجب التنفيذ، يصبح "عملية متدرّجة"، والأرض المحتلّة لا تعود أرضًا يجب تحريرها.. تصبح "منطقة تُستعاد بعد التحقّق".. هنا .. تغيير المفردات ليس تفصيلاً بلاغيًا.. إنّه إعادة هندسة للوعي؛ لأن الشعوب الحرّة تدافع أولًا عن الأسماء قبل أن تدافع عن الخرائط..

لماذا يسمى اتفاقًا مذّلًا؟

الناس لا تصف اتفاقًا بأنّه مهين لأنه لا يعجبها سياسيًا؛ بل عندما ترى أنّ ميزان الالتزامات مختل بصورة جذرية.. حين تُطلب من طرف معظم التنازلات .. وأي تنازلات!! بينما يحصل الطرف الآخر على معظم الضمانات.. وأي ضمانات!! وحين تتحوّل السيادة إلى نتيجة متروكة بلا استعادة.. بدل أن تكون نقطة البداية..

حين يُصبح المحتلّ حَكَماً في سيادة الدولة

ليس أخطر ما في الاتفاقات أنها تُوقَّع بالحبر، قد تُوقَّع على حساب الأرض. ليست القضية في عدد البنود، ولا في عدد الصفحات، ولا حتى في أسماء الوسطاء. القضية أنّ الأمم لا تفقد أوطانها دائمًا في ميادين القتال..أحيانًا تبدأ الخسارة يوم يُقنعها حكّامها بأنّ الوطن قابل للتفاوض، وأنّ السيادة يمكن أن تُؤجَّل، وأن الأرض يمكن أن تنتظر..فالحدود لا تُقاس بالخرائط وحدها، بل بالكرامة التي تحرسها، وبالدماء التي رُويت بها، وبالقسم الذي أدّاه من تولّى مسؤولية الدولة في حماية كل شبر منها.

القضية هنا.. لا تتعلق ببنود تقنية، ولا بترتيبات أمنية عابرة، بل بتحوّل بالغ الخطورة في مفهوم السيادة نفسه؛ إذ يصبح الاحتلال شريكًا في تحديد شروط الأمن، ويغدو المعتدي مرجعًا في تعريف التهديد، فيما يُطلب من الدولة أن تعيد تشكيل نفسها وفق معايير يضعها خصمها.

إن أخطر ما في مثل هذه الاتفاقات ليس ما كُتب فيها، بل ما سُكت عنه. فمن يقرأ بنوده يشعر وكأنّ الأرض اللبنانية لم تعد حقًا ثابتًا لا يقبل المساومة، بل ملفًا مفتوحًا للتفاوض المشروط. وكأن انسحاب المعتدي لم يعد التزامًا يفرضه القانون الدولي، بل مكافأة مؤجّلة تُمنح إذا استوفت الدولة الشروط المطلوبة منها.

لبنان اليوم أمام معادلة تقلب المنطق رأسًا على عقب؛ فيصبح صاحب الأرض مطالبًا بإثبات أهليته لاستعادة أرضه، بينما يُمنح المحتل حقّ البقاء، وحقّ التقييم، وحقّ الانتظار.  لهذا، يرى حماة الوطن في هذا المسار.. أنّ ما يجري ليس مجرد اتفاق سياسي، بل إعادة صياغة لمعنى السيادة ذاته، وتحويلها من حقّ أصيل غير قابل للتصرف إلى امتياز مشروط بإرادة الآخرين.

الدستور اللبناني لم يجعل حماية الأرض خيارًا سياسيًا يتبدّل بتبدّل الحكومات، بل حمّل الدولة مسؤولية صون الوطن وسيادته وسلامة أراضيه. والسيادة لا تتجزأ، ولا تُدار بمنطق المراحل، ولا تُستردّ بالتنازل عنها..قد يُوقَّع الكثير من الأوراق.. لكن التاريخ لا يحفظ أسماء من وقّعوا فقط، بل يسأل دائمًا سؤالًا واحدًا: حين وُضعت الأرض على الطاولة.. من وقف إلى جانبها، ومن وقّع عليها؟ والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يتذكر عدد الاتفاقات التي وُقِّعت.. بل يتذكر سؤالًا واحدًا: من الذي حافظ على معنى الوطن... ومن الذي فرض تعريفه؟


 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد