فاتن الحاج (صحيفة الأخبار)
نحو 6000 طالب راسب في الثانوية العامة في التعليم الرسمي، عدا مرشّحي الطلبات الحرة ومن يحتاجون إلى الشهادة الرسمية، يُفترض أن تشملهم الدورة الاستثنائية التي أقرّها مجلس الوزراء، بعد إلغاء الامتحانات الرسمية ومنح الطلاب إفادات نجاح بالاستناد إلى العلامات المدرسية. رقمٌ استدعى السؤال الآتي داخل الأوساط التربوية: إذا كانت الظروف الأمنية حالت دون إجراء الامتحانات الرسمية لكل الطلاب، فكيف ستتمكّن وزارة التربية من تنظيم دورة خاصة لهذا العدد خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الشهر؟
نصّ قرار مجلس الوزراء على إعفاء طلاب الثانوية العامة والبكالوريا الفنية في القطاعين الرسمي والخاص من الامتحانات الرسمية للعام الدراسي 2025 - 2026، ومنح إفادات نجاح للطلاب النظاميين الذين يبلغ معدّلهم 9.5 من 20 كحدّ أدنى، استناداً إلى نتائج التقييم والعلامات المدرسية حتى 1 آذار 2026، على أن تُجرى دورة استثنائية ابتداءً من 21 تموز، تشمل مرشّحي الطلبات الحرة والطلاب الراسبين، إضافة إلى من يحتاجون إلى شهادة رسمية بعلاماتها لأسباب جامعية أو مهنية (لم يشمل المرسوم طلاب الاحتياجات الخاصة).
هؤلاء قدّرت وزيرة التربية ريما كرامي في مقابلة إذاعية أن أعدادهم لن تكون كبيرة. غير أن المُعطيات التي برزت لاحقاً، ولا سيما تلك المتعلّقة بأعداد الراسبين في الثانويات الرسمية بالاستناد إلى العلامات المرفوعة إلى وزارة التربية حتى الأول من آذار، استدعت تساؤلات حول دقّة التقدير الأولي وحجم قاعدة البيانات التي استند إليها مرسوم مجلس الوزراء.
في المقابلة نفسها، قالت وزيرة التربية أيضاً إنها اتفقت مع المكوّنات التربوية على اعتماد المناهج المُقرّرة للامتحان الرسمي حتى الأول من آذار كمرجعية للتقييم. غير أن هذا التوجه يثير، وفق معترضين، إشكالية أساسية تتصل بالعدالة وتكافؤ الفرص. فالامتحان يمنح الطلاب فرصة موحّدة للتحضير والتنافس وفق شروط واحدة، فيما يؤدّي الإلغاء إلى اعتماد تقييمات مدرسية غير متساوية في ظروفها بين مدرسة وأخرى.
في ضوء ذلك، فتح مرسوم مجلس الوزراء مواجهة واسعة تربوية ونقابية وقانونية، تمثّلت بالتصعيد الذي أعلنته روابط التعليم الرسمي ولجان المتعاقدين. فالروابط أعلنت مقاطعة أي مشاركة في الامتحانات الرسمية (الاستثنائية) أو مراقبتها أو تصحيحها، مطالبة بإعطاء إفادات نجاح لجميع الطلاب، مع فتح دورة حرة فقط للراغبين بالحصول على شهادة رسمية.
يضع هذا الموقف وزارة التربية أمام مشكلة إضافية، إذ إن إجراء دورة استثنائية لآلاف الطلاب يحتاج عملياً إلى تعاون الأساتذة والإدارات التعليمية، في وقت تتجه فيه الروابط إلى التصعيد النقابي، من خلال اعتصام أمام وزارة التربية غداً الإثنين.
وإلى جانب ملف الثانوية العامة، يبرز إشكال إضافي يتعلّق بالامتحانات الرسمية في التعليم المهني، إذ تشير المُعطيات إلى وجود نحو 60 ألف طالب في البكالوريا الفنية والإجازة الفنية والامتياز الفني، لا توجد لدى وزارة التربية قاعدة بيانات واضحة حول علاماتهم. ويعود ذلك إلى أن المعاهد المهنية ترفع العلامات النهائية إلى المديرية العامة للتعليم المهني والتقني، وهي جهة تتمتّع باستقلالية إدارية، ما يعني أن علامات هؤلاء لا تتجمّع مباشرة لدى وزارة التربية. كما أن النسبة الكبرى من المعاهد لم تُجرِ أصلاً امتحانات الفصل الأول، ما يعني أن قاعدة البيانات الأساسية التي يُفترض أن يُبنى عليها قرار الإفادات والدورة الاستثنائية لا تزال غير مُكتمِلة. ويزداد هذا الإشكال تعقيداً نتيجة غياب أي توضيح حول مصير شهادات مهنية أخرى لم يأتِ المرسوم على ذكرها، مثل النظام المزدوج، والتأهيلية المهنية، والتكميلية المهنية، ودورات الـ 400 ساعة والـ 600 ساعة.
وبحسب المُعطيات، فإن التصعيد النقابي لن يقتصر على المقاطعة والتحرك الميداني، إذ تتجه روابط التعليم الرسمي أيضاً إلى سلوك المسار القانوني، عبر التحضير للطعن في القرار أمام مجلس شورى الدولة، بالاستناد إلى مجموعة من الطلاب المتضررين وأولياء أمورهم، وبالتعاون مع محامٍ مختصّ لمتابعة الملف قانونياً.
ويستند عدد من التربويين في اعتراضهم إلى مبدأ دستوري ينص على أن اللبنانيين جميعاً متساوون أمام القانون ويتمتّعون بالحقوق المدنية والسياسية من دون أي تمييز، ما ينسحب، بحسب رأيهم، على الطلاب أيضاً باعتبارهم فئة واحدة يفترض أن تخضع لظروف تقييم موحّدة. ويعتبر هؤلاء أن الظروف القاهرة التي حالت دون إجراء الامتحانات الرسمية تنطبق على جميع الطلاب من دون استثناء، ما يجعل اعتماد مقاربة مختلفة لكل فئة منهم موضع إشكال من زاوية مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.
وفي تعليق قانوني، يعتبر أستاذ القانون في الجامعة اللبنانية، جاد طعمه، أن أي قرار إداري يجب أن يحترم مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الطلاب، حتى في الظروف الاستثنائية. ويشير طعمه إلى أن المساواة لا تعني توحيد الإجراء فقط، بل تقتضي مراعاة اختلاف أوضاع الطلاب بين منطقة وأخرى، وبين التعليم الرسمي والخاص، خصوصاً في ظل التفاوت الذي سُجّل خلال السنة الدراسية في انتظام التعليم وتسليم العلامات.
ويؤكّد أن الإدارة، حتى في الظروف الاستثنائية، تبقى مُلزَمة باحترام مبدأ التناسب، ما يعني اختيار الإجراء الأكثر مُلاءمة لتحقيق المصلحة العامة، مع الحفاظ على العدالة بين التلامذة.
كما يشدّد على أن القرار الإداري يجب أن يستند إلى أسباب واقعية وقانونية واضحة، وأن يكون مُعلّلاً بما يسمح لمجلس شورى الدولة بممارسة رقابته على مشروعيته.
ويؤكّد أن النقاش القانوني لا يُختزل بتأييد القرار أو رفضه، بل بمدى استناده إلى أسس قانونية سليمة، مشيراً إلى أن البيانات النقابية، مهما بلغت أهميتها، لا تحدّد وحدها مشروعية القرار، لأن الكلمة الفصل تبقى للقضاء الإداري.=
وفي موازاة ذلك، يطرح ناشطون معترضون سؤالاً حول البعد المرتبط بتمويل الامتحانات الرسمية، في ظل ما يُتداول عن مساهمات من جهات دولية مانحة، بينها منظمة الـ«يونيسف»، في دعم الاستحقاق التربوي. ويذهب هؤلاء إلى التساؤل عمّا إذا كان الإصرار على تنظيم الدورة الاستثنائية يرتبط فقط بالاعتبارات التربوية، أم أيضاً بالحفاظ على هذا التمويل الدولي.