بالأرقام: فضيحة أسعار البنزين.. ترتفع مع النفط ولا تنخفض معه

post-img

عزة الحاج حسن (صحيفة المدن)

يتفاعل سعر البنزين في لبنان مع النفط بشكل غير متماثل، بمعنى أنه يرتفع بسرعة مع صعود النفط، لكنه لا يتراجع بالوتيرة نفسها عند انخفاضه، فالبنزين ارتفع بنسبة 31.7% عندما قفز النفط 75.6%، فيما لم يتراجع سوى 4.5% عند هبوط النفط مجدداً إلى مستوياته السابقة.

ويكاد يُجمع اللبنانيون على أن الأسعار عموماً، حين ترتفع لأي سبب كان، نادراً ما تعود إلى مستوياتها السابقة مهما تبدّلت الظروف حتى لو زالت أسباب الارتفاع. هذا الواقع يفرض حالة من الغُبن العام، خصوصاً في ما يتعلق بأسعار المحروقات لا سيما منها البنزين، حيث لا يبدو أن الاستغلال يميّز بين مواطن فقير أو ميسور، فالجميع في الخانة نفسها أمام فاتورة واحدة.

في هذا المشهد، يدفع اللبنانيون ثمن فوضى التسعير، ثمن الجشع من المستورد إلى الموزّع فالتاجر وصولاً إلى صاحب المحطة، فيما يتلاشى دور الرقابة الرسمية. وبين غياب فاعلية الجهات المعنية، وفي مقدّمها وزارتي الطاقة والاقتصاد، تتكرّس سلطة السوق على حساب المواطن، لتصبح التسعيرة انعكاساً لمعادلة أرباحٍ ثابتة، ولو جاء ذلك على حساب الحقّ العام والقدرة الشرائية للمواطنين

مقارنة واضحة واستغلال مباشر

في مقارنة واضحة ومباشرة بين سعر برميل النفط عالمياً وسعر صفيحة البنزين في لبنان قبل الحرب وخلالها وبعدها. تُظهر الأرقام والبيانات الرسمية أن سعر النفط العالمي تحديداً البرنت يتحرك بحُرية بحسب الأسواق العالمية، بينما سعر البنزين في لبنان يتفاعل معه بشكل غير متماثل، بمعنى أنه يرتفع بسرعة مع صعود النفط، لكنه لا يتراجع بالوتيرة نفسها عند انخفاضه. وهذا يعكس ما يُعرف اقتصادياً بعدم تناظر التسعير في الأسواق المحلية.

قبل الحرب وتحديداً في 27 شباط بلغ سعر برميل النفط 72 دولاراً في حين بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 1815000 ليرة (20.2 دولاراً). خلال الحرب وتحديداً في 30 نيسان سجّل سعر برميل النفط مستوى قياسياً وبلغ حينها 126.4 دولاراً أي بارتفاع بنسبة +75.6% بالمقارنة مع ما قبل الحرب، حينها ارتفع سعر صفيحة البنزين في لبنان إلى 2391000 ليرة (26.6 دولار) أي بنسبة  +31.7.

أما بعد انتهاء الحرب وتحديداً بين 25 و26 حزيران الحالي، تراجع سعر برميل النفط تدريجياً إلى ما كان عليه قبل الحرب وبلغ نحو 72 دولاراً أي بتراجع بنسبة 75.6% من الذروة. في حين تراجع سعر البنزين إلى 2281000 ليرة (25.4 دولاراً) أي أنه تراجع بنسبة 4.5% فقط.

من هنا نلاحظ أن صدمة صعود النفط تلاقها المستهلك اللبناني مباشرة، وعند ارتفاع سعر البرميل 75.6% ارتفع معه البنزين 31.7% ما انعكس مباشرة على كل مناحي حياته المعيشية، أما في صدمة الهبوط عند عودة سعر النفط إلى مستوياته السابقة قبل الحرب لم يتراجع البنزين بأكثر من 4.5% وحُرم المستهلك من صدمة الهبوط الإيجابية. وهنا تظهر المشكلة الأساسية وهي ان انخفاض أسعار النفط لا ينعكس على البنزين بنفس القوة.

خداع المستهلك برسم الـ2%

على الرغم من عودة سعر برميل النفط عالمياً إلى كان عليه قبل الحرب، ظلّت محطات المحروقات ومن ورائها الشركات المستوردة للمحروقات متمسّكة بالأسعار المرتفعة للمشتقات النفطية تحت ذريعة أن الحكومة فرضت رسماً بقيمة 2 في المئة على كل المنتجات المستوردة الملوِّثة ومنها المحروقات. حتى أن أهل قطاع المحروقات أظهروا "تعاطفاً" مزيّفاً مع اللبنانيين باعتبار أنهم لن ينعموا بتراجع أسعار المحروقات بسبب رسم الـ2%.

لكن في المقابل أكدت الوزارات المعنية (إقتصاد ومالية وبيئة) أن الرسوم البيئية الجديدة، التي تتراوح بين 1 و3% بحسب نوع المنتج، تقع مسؤولية تسديدها على المنتجين والمستوردين وفق مبدأ "الملوِّث يدفع"، ولا تشكل أي مبرر قانوني لرفع أسعار السلع أو تحميل المستهلكين أعباء إضافية. كما شددت على أن وزارة الاقتصاد والتجارة ستراقب الأسواق وتتخذ الإجراءات القانونية بحق أي جهة تستغل هذه الرسوم لفرض زيادات غير مبررة على الأسعار.

من جهة أخرى وأساسية، فإن رسم الـ2% لا يفسّر فجوة السعر بين البنزين في لبنان والنفط عالمياً. بمعنى أن النفط تراجع بأكثر من 75 في المئة من الذروة  في حين لم يتراجع البنزين بأكثر من 4.5% ما يعني أن الفجوة أكبر بكثير من تأثير الرسم.

ولو كان هناك انعكاس عادل لانخفاض النفط، كان من المفترض أن يتراجع سعر البنزين إلى مستوياته قبل الحرب أي نحو 20 دولاراً مع تعديل بسيط للكلفة التشغيلية والرسوم. وتًظهر الارقام أعلاه أن نسبة الانخفاض العادل المطلوب تبلغ نحو 18% إلى 20% إضافية عن السعر الحالي.

ويؤكد كل ما سبق أن سوق البنزين في لبنان يظهر ارتباطاً انتقائياً بسعر النفط، فيتسارع بالارتفاع ويتباطأ جداً بالانخفاض. أما الفجوة بين حركة النفط والبنزين فلا يمكن تفسيرها فقط بالرسم 2%. ومرد ذلك إلى مجموعة اسباب أبرزها محافظة المستوردين والتجار تحت أعين وزارة الطاقة والاقتصاد على هوامش ربح أعلى عند الانخفاض.

في المحصلة رغم عودة النفط العالمي إلى مستويات ما قبل الحرب، لم ينخفض سعر البنزين في لبنان بالوتيرة نفسها، في حين أن رسم 2% على المحروقات ليس له وزن اقتصادي كافٍ لتفسير هذا التباطؤ في الهبوط، وهذا ما يفتح النقاش حول آلية التسعير المحلية ومدى ارتباطها الفعلي بالسوق العالمي

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد