زينب بزي (صحيفة الأخبار)
هل جاء إصدار مرسوم رفع الرسوم الجمركية على المُنتجات التي تخلف مُنتجات مضرّة بالبيئة في التوقيت المناسب؟ فهو مرسوم مبنيّ على قانون صدر في عام 2018، لكنّ تطبيقه يأتي بعد انهيار مصرفي ونقدي ما زالت تداعياته قائمة إلى اليوم، وبعد عدوانين إسرائيليين كانت نتيجتهما دماراً واسعاً وخسائر بالجملة في البنية التحتية وفي القطاعات وفي العقود التجارية وقوّة العمل، وهو يسبق أيّ تحضيرات مرتبطة بإعادة الإعمار. كل هذه الوقائع لم تدفع في اتجاه تعديل مضمون المرسوم أو توقيت صدوره، باستثناء إجراء تعديلات واسعة على مُعدّلات الرسوم. أي إن الهدف جمع الأموال من دون أي رؤية بيئية - اقتصادية.
في 15 حزيران الماضي قرّرت وزارتا البيئة والمال إصدار المرسوم 3214 الذي يفرض رسوماً بيئية على عشرات السلع والمُنتجات بمُعدّل يراوِح بين 1% و3%. ويأتي هذا المرسوم بعد مسار تشريعي بدأ بإقرار قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة الرقم 80 عام 2018 الذي وضع للمرة الأولى إطاراً قانونياً شاملاً لإدارة النفايات في لبنان. في حينه كان القطاع غارقاً لسنوات بالاعتماد على حلول مؤقّتة استنزفت الخزينة العامة وأموال البلديات من دون توفير خدمة مُستدامة للمواطنين. ويستند إقرار المرسوم إلى تعديل للمادة 28 من القانون 80 في مطلع 2026 بموجب القانون الرقم 38.
وهذا الأخير أقرّ فرض الرسوم على المُنتجات التي تتحوّل بعد استهلاكها إلى نفايات تطبيقاً لمبدأ «الملوِّث يدفع». وهو مبدأ مُعتمد في العديد من التشريعات البيئية حول العالم، ويقوم على تحميل المُنتِج أو المستورد جزءاً من الكلفة البيئية للنفايات الناتجة من منتجاته، بدلاً من أن تتحمّلها الخزينة العامة بصورة كاملة. وأُرفق بالقانون المُعدّل، لائحة بالسلع الخاضعة للرسوم، تشمل المواد الغذائية، اللحوم، الألبان، الزيوت، الوقود المعدني، المُنتجات الكيميائية، الإسمنت، الحديد والصلب، الزجاج، الألمنيوم، الأخشاب، المنظّفات، مستحضرات التجميل، الدهانات، الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، البطاريات، الإطارات، الأثاث وغيرها.
وبموجبه فُرضت رسوم جمركية راوحت بين 0.10% و0.15% و0.20% و0.30% و0.50%. إلا أن المرسوم الرقم 3214، الذي أصدره وزير المال ياسين جابر ووزيرة البيئة تمارا الزين، استبدل الجدول المُلحق بالقانون بواحد جديد رفع معدلات الرسوم إلى ما بين 1% و3%. فعلى سبيل المثال، أصبحت الرسوم تبلغ 2% على الوقود المعدني والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها، 2% على الإسمنت، 1.5% على الزجاج، 1% على الحديد والصلب والألمنيوم و3% على الدهانات والورنيش، إلى جانب عشرات السلع والمواد الأخرى.
أثار المرسوم موجة اعتراضات دفعت وزارات البيئة والمال والاقتصاد إلى إصدار بيان توضيحي، تشير فيه إلى أن المرسوم لا يفرض ضريبة جديدة لزيادة إيرادات الدولة، بل يطبّق أحكام القانون الرقم 38/2026 بهدف إصلاح قطاع إدارة النفايات وتأمين مصدر تمويل مُستدام له، وذلك بعدما كانت الدولة تغطّي كلفة هذا القطاع من سلفات الخزينة وأموال الصندوق البلدي المستقل. كما شدّد بيان الوزارات الثلاث على أن الأموال المُحصّلة لن تدخل إلى الخزينة العامة، بل ستُخصّص حصراً للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة وإنشاء وتشغيل البنى التحتية الخاصة بالفرز والمعالجة والتدوير والطمر الصحي. وأعلنت الوزارات أنها، بعد التشاور مع الاتحاد العمالي العام وبالتنسيق مع رئاسة مجلس الوزراء، ستعيد طرح الرسوم المفروضة على المواد الغذائية الأساسية في أول جلسة لمجلس الوزراء، بما يراعي الأوضاع المعيشية للمواطنين من دون الإخلال بأهداف الإصلاح البيئي والمالي.
من حيث المبدأ، لا يُعد هذا النوع من الرسوم استثناءً مرتبطاً بتحديث السياسات الضريبية، بل هو يُعتمد في دول كثيرة لتأمين مصادر تمويل مُستدامة لإدارة النفايات، والحدّ من إنتاجها، وتشجيع المنتجين على اعتماد مواد أقل تلويثاً وأكثر قابلية لإعادة التدوير. كما تُستخدم هذه الرسوم كأداة اقتصادية لكبح الاستهلاك المستورد التي يتوافر لها بديل وطني، بما يسهم في دعم الإنتاج المحلي والحدّ من نزف العملات الأجنبية بسبب العجز التجاري الخارجي.
ويكتسب هذا الهدف أهمية خاصة في لبنان، الذي يعاني منذ سنوات عجزاً مُزمناً في الميزان التجاري نتيجة اعتماده الكبير على الاستيراد. فلبنان يستورد سنوياً مُنتجات بمليارات الدولارات، فيما يُنتَج جزء كبير منها محلياً، ما يستنزف العملات الأجنبية ويزيد الضغط على الاقتصاد الوطني. وبالتالي، فإن فرض رسوم على السلع التي يتوافر لها بديل لبناني يمكن أن يشكّل أداة فعّالة لدعم الصناعة الوطنية، وتحفيز المستهلك على التوجه نحو المنتج المحلي، وخفض فاتورة الاستيراد، بالتوازي مع تحقيق أهداف بيئية وتمويلية.
لكنّ هذه الفلسفة لا تنطبق على جميع السلع التي شملها المرسوم. فالوقود المعدني، الذي فُرض عليه رسم بنسبة 2%، لا يملك لبنان بديلاً محلياً عنه، إذ يعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد المشتقات النفطية، أي ما أدّى ذلك إلى زيادة الرسوم على الاستهلاك التي تصيب الفقراء. ليصبح هذا الرسم كلفة إضافية مرشّحة للانعكاس على أسعار النقل والإنتاج وسائر السلع والخدمات، ويمعن في ضرب ميزانيات الأسر. ويكتسب هذا البند حساسية إضافية في ظل الرسوم التي فُرضت سابقاً على المحروقات، ما يعني أن أي كلفة جديدة ستنعكس في نهاية المطاف على المواطن.
ولا يقتصر الأمر على المحروقات، بل يمتد إلى عدد من المواد الأساسية التي ستدخل مباشرة في ورشة إعادة الإعمار المُنتظرة، مثل الإسمنت، والحديد، والزجاج، والألمنيوم، والأخشاب وغيرها من مستلزمات البناء. ففي مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى إعادة تأهيل آلاف المنازل والمؤسسات والبنى التحتية، قد تؤدي زيادة الرسوم على هذه المواد إلى رفع كلفة إعادة الإعمار نفسها، سواء بالنسبة إلى المواطنين أو الجهات المموّلة أو الدولة، في وقت يفترض فيه العمل على تخفيف كلفة البناء وتشجيع عودة السكان إلى مناطقهم، لا زيادة الأعباء عليهم.
لذا، فإن الإشكالية المطروحة اليوم لا تتعلّق بمبدأ الرسم البيئي بحد ذاته، بل بكيفية تصميمه واختيار السلع المشمولة به، فضلاً عن توقيت رفعه. فالبلاد خرجت للتوّ من حرب خلّفت دماراً واسعاً ونزوح أكثر من مليون شخص وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة. وفي ظل هذه الظروف، قد يكون من الأجدى توجيه الرسوم نحو السلع التي تحقّق فعلاً أهدافها الاقتصادية والبيئية، أي تلك التي يتوافر لها بديل محلي ويمكن الاستغناء عن استيرادها، مع إعادة النظر في الرسوم المفروضة على السلع الاستراتيجية التي لا يملك لبنان بديلاً عنها أو يحتاج إليها بصورة ملحّة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. فبهذه المقاربة وحدها يمكن تحقيق التوازن بين أهداف الإصلاح البيئي والمالي، وبين متطلّبات النهوض الاقتصادي التي لا تقلّ أهمية اليوم عن أي إصلاح آخر.