منذ ما يزيد عن سبعة عقود، ظلت "إسرائيل" تقدّم نفسها دولة تخوض حروبها من أجل سلام مرتقب، وتُسوّغ كل عملية عسكرية أنها الخطوة الأخيرة على طريق الاستقرار النهائي. غير أن المفارقة التي يصعب تجاوزها، اليوم، هي أن هذا الكيان، مع تفوقه العسكري والتكنولوجي الساحق وسلسلة الاتفاقيات السياسية التي يدخل فيها بين حين وآخر، لم يبلغ يومًا الاستقرار المبتغى أو أي سلام دائم. الأعجب من ذلك؛ أن أصواتًا من المؤسسة الإسرائيلية نفسها، لا من خصومها، باتت تجاهر بهذا العجز، وتطرح سؤالًا وجوديًا: هل القوة وحدها قادرة على إنتاج الأمن؟ أم أن إسرائيل انتقلت، من دون أن تعلن ذلك صراحة، من فكرة الحرب من أجل السلام إلى فكرة مختلفة تمامًا؛ وهي إدارة صراع لا نهاية له؟
هذا التحول ليس استنتاجًا خارجيًا، هو ما تكشفه بوضوح لافت قراءة متأنية للنقاش الداخلي الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة. إذ تتقاطع افتتاحيات الصحف مع تحليلات مراكز الأبحاث ومواقف النخب السياسية والعسكرية، لترسم صورة "دولة" تعيش أزمة عميقة في تصورها لمعنى الأمن ذاته.
من حرب الأربعين عامًا إلى حرب لا تنتهي
في افتتاحية لافتة نشرتها صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، يستعيد الكاتب آفي أشكينازي لحظة مفصلية من الذاكرة الإسرائيلية: حين خرج رئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيغن إلى ما سمّاه حرب "سلامة الجليل" (1982)، كان يعتقد، بشيء من السذاجة كما يصفه الكاتب نفسه، أن "البلاد" ستنعم بهدوء يمتد أربعين عامًا. لكن الواقع كذّب هذا الوهم سريعًا؛ فلا الأربعون عامًا تحققت، ولا حتى الأربعون يومًا. إذ تورّطت "إسرائيل" في المستنقع اللبناني لثمانية عشر عامًا متواصلة، دفعت خلالها أرواح مئات الجنود قبل أن تنسحب منهكة ومنهزمة.
المفارقة التي يضعها أشكينازي أمام قرائه أن الجيل الذي قاتل، في "الشريط الأمني" خلال التسعينيات، بات اليوم أبًا لجنود يقاتلون من جديد في الجبهة نفسها، وأن "البشرى" التي تسوّقها حكومة بنيامين نتنياهو ليست انتهاء هذا المسار، بل هي استمراره: فأبناء هؤلاء الجنود سيقاتلون حين يبلغون الثامنة عشرة، ما لم يلتحقوا بمدارس التوراة.. حتى إن التخطيط الإسرائيلي، بحسب الكاتب، يفترض ضمنًا أن أحفاد الأحفاد سيُستدعون كذلك إلى الجبهة نفسها. هذه الصورة المتسلسلة من الأجيال هي جوهر ما يمكن تسميته الانتقال من "الحرب من أجل السلام" إلى "إدارة الصراع". إذ لم تعد الحرب وسيلة لبلوغ غاية، لقد غدت هي الحال الدائمة التي تُدار، لا التي تُحسم. يختم الكاتب مقاله بأن الحكومة لا ترى مشكلة في أن تمتلئ المقابر العسكرية بأجيال من القتلى، فهذا لا يصوغ موقفًا أيديولوجيًا، إنما يسجل شهادة من داخل المؤسسة على إفلاس فكرة "الحسم" ذاتها.
اتفاق التنازل إنجاز معلن وشكوك مكتومة
هذا التناقض بين الخطاب الرسمي وواقع الميدان يتجلى، بصورة أكثر تفصيلًا، في التعاطي الإسرائيلي مع الاتفاق الموقَّع مع لبنان في السادس والعشرين من حزيران الماضي. بينما احتفت حكومة الاحتلال بالاتفاق بوصفه إنجازًا تاريخيًا يكرّس مكاسبها العسكرية ويحد من النفوذ الإيراني، تعاملت غالبية التحليلات العبرية معه بقدر أكبر من الحذر، بوصفه ترتيبًا انتقاليًا يفتح نافذة سياسية جديدة من دون أن يضمن بحد ذاته إنهاء التهديد الذي يمثله حزب الله. هذا بالضبط ما يفسر لماذا يركز الجدل الإسرائيلي على "قابلية التنفيذ" أكثر من تركيزه على نصوص الاتفاق نفسها؛ فالنص وحده لا يصنع أمنًا حين تغيب الثقة بالواقع الذي يفترض أن يطبَّق فيه.
يمكن رصد ثلاثة اتجاهات رئيسة في قراءة هذا الاتفاق داخل الكيان.
- الاتجاه الأول، تتبناه الحكومة وقيادة الجيش، يقدّم الاتفاق بوصفه إنجازًا سياسيًا وأمنيًا يمنح شرعية لاستمرار الوجود في "المنطقة الأمنية" إلى حين نزع سلاح حزب الله، مع الاحتفاظ بحرية العمل العسكري كلما اقتضت الضرورة.
- الاتجاه الثاني، هو الأكثر حضورًا في مراكز الدراسات والتحليل العسكري، يقرّ بأن الاتفاق أفضل من غيابه، لكنه يضعه موضع شك بنيوي: ضعف الدولة اللبنانية وعدم استعداد جيشها لمواجهة حزب الله، وغياب جدول زمني وآليات تنفيذ واضحة واستمرار ارتباط الحزب بطهران؛ كل ذلك يجعل الاتفاق، في أحسن توصيف، إطارًا سياسيًا واعدًا لكنه هشّ ميدانيًا.
- الاتجاه الثالث، الرافض، يجمع بين يمين متشدد يرى أن الاتفاق يمنح حزب الله فرصة لإعادة بناء قدراته؛ لأنه لا يفرض نزع سلاحه فعليًا، ومعارضة ترى أن الحكومة اللبنانية عاجزة أصلًا عن الوفاء بالتزاماتها، وما تحقق ليس أكثر من إنجاز سياسي شخصي لنتنياهو لا يصنع أمنًا دائمًا. ما عزز هذه الشكوك أن مقتل ضابط إسرائيلي بعد ساعات قليلة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ تحوّل سريعًا إلى دليل ملموس على الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
على الرغم من تباين هذه الاتجاهات، فإنها تتقاطع عند ثلاثة استنتاجات يصعب تجاهلها: أن حزب الله يبقى العامل الحاسم في مصير الاتفاق مع أنه ليس طرفًا موقّعًا فيه؛ وقدرة الجيش اللبناني على احتكار السلاح تظل موضع شك واسع؛ و"إسرائيل" نفسها لا تنوي التخلي عن حرية العمل العسكري إذا استشعرت أن المقاومة تعيد بناء قوتها. بعبارة أخرى، لا يُنظر إلى الاتفاق، حتى من مؤيديه، خاتمة للصراع، بل هو مرحلة جديدة من إدارته بقواعد مختلفة قليلًا عن سابقاتها. هذا بالذات هو جوهر "إدارة الصراع" Conflict Management ليكون نمطا بديلا عن "حل الصراع"؛ أي ترتيب يقلّل من حدة المواجهة المباشرة من دون أن يمسّ جذورها، فيؤجل الانفجار التالي بدل أن يمنعه.
الجبهة الداخلية.. أزمة ثقة لا أزمة تكتيك
لا يقتصر هذا على الجبهة اللبنانية، يمتد أيضًا إلى عمق الجبهة الداخلية الإسرائيلية، والتي تبدو اليوم أكثر استقطابًا من الملف اللبناني ذاته. محاكمة بنيامين نتنياهو، بعد توصية القضاة بإعادة النظر في تهمة الرشوة، أعادت إشعال مواجهة سياسية وإعلامية حادة بين معسكري الحكومة والمعارضة، فيما تتسع أزمة تجنيد الحريديم لتكشف عجزا بنيويا في تزويد الجيش بما يحتاجه من قوى بشرية، وسط اتهامات صريحة لنتنياهو بتقديم حسابات الائتلاف الحاكم على احتياجات المؤسسة العسكرية. يضاف إلى ذلك؛ تصاعد غير مسبوق في حدّة الخطاب السياسي الداخلي، شمل تحريضًا شخصيًا وحديثًا عن العنف السياسي، إلى جانب سجال متجدد حيال استقلال القضاء وحرية الإعلام وحقوق الأقليات.
ما يستحق التوقف عنده؛ أن المعارضة الإسرائيلية لا تكتفي بانتقاد إدارة الملف اللبناني، تحمّل ايضًا الحكومة مسؤولية مباشرة عن تداعيات حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتصف ما تعيشه "إسرائيل" بأنه إخفاق استراتيجي مستمر يطال المستويات الأمنية والاقتصادية والإدارية معًا، بينما يرد معسكر اليمين بتوجيه الاتهام إلى القضاء والمؤسسات الأمنية بمحاولة إسقاط الحكومة سياسيًا بدل مساءلتها موضوعيًا.
على الجبهة الشمالية تحديدًا، لا يسود شعور بأن المواجهة الأخيرة حققت حسمًا استراتيجيًا؛ إذ يرى عدد من المحللين والضباط السابقين أن "إسرائيل" عادت تقريبًا إلى النقطة التي كانت عليها قبل أشهر، واستمرار الوجود العسكري داخل الأراضي اللبنانية لا يحقق هدفًا أمنيًا حقيقيًا بقدر ما يمنح حزب الله مسوغًا لاستمرار المواجهة، ويضعف موقع الحكومة اللبنانية التي يفترض أن يكون تعزيزها هدفًا إسرائيليًا بحد ذاته؛ إذا كان المطلوب فعلًا تحجيم نفوذ الحزب على المدى الطويل.
أزمة العقيدة الأمنية الإسرائيلية
ما تكشفه هذه النقاشات مجتمعة ليس خلافًا تكتيكيًا، في هذا الإجراء أو ذاك، هو أزمة أعمق في صلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية ذاتها. المؤسسة التي طالما راهنت على أن التفوق العسكري يصنع الردع، والردع يصنع الأمن، تجد نفسها اليوم أمام اعتراف متزايد، من داخلها لا من خارجها، بأن الاحتلال لا يصنع أمنًا، وأن "المناطق الأمنية" التي أُقيمت تباعًا في الجنوب اللبناني لم تمنع حربًا واحدة. لقد هيّأت لحرب تالية في كل مرة. وهذا بالضبط ما يفسره مفهوم "معضلة الأمن" Security Dilemma في أدبيات العلاقات الدولية: حين يسعى طرف إلى تعزيز أمنه بتراكم القوة والسيطرة الجغرافية، فإنه يولّد لدى الطرف المقابل شعورًا متزايدًا بالتهديد، فيرد بدوره بمزيد من المقاومة والتسلح، في حلقة تجعل من كل "حل أمني" مؤقت مقدمة لجولة استنزاف جديدة، لا خاتمة لها.
بناء على ذلك؛ يصبح الردع الذي تتحدث عنه "إسرائيل" ردعًا مؤقتًا بطبيعته، لا ردعًا استراتيجيًا حاسمًا؛ فهو يعيد ترتيب موازين القوة لمدة محدودة، من دون أن يعالج الأسباب التي تنتج الصراع أصلًا. هذا ما يميّز "إدارة الصراع" عن "حل الصراع" بوصفهما مسارين مختلفين تمامًا: الأول يكتفي بتقليل الاحتكاك المباشر والحفاظ على توازن هش بين خصمين؛ في حين يفترض الثاني معالجة جذور التنازع نفسها.
ما تكشفه القراءات الإسرائيلية الأخيرة، من افتتاحية "معاريف" إلى تحليلات مراكز الدراسات في اتفاق التنازل، هو أن "إسرائيل" استقرت فعليًا، ولو من دون إعلان رسمي، عند الخيار الأول، مكتفية بإدارة الاستنزاف طويل الأمد بدل السعي إلى تسوية تاريخية تنهي دورة العنف.
لعل أخطر ما في هذا المسار أنه يمسّ مفهوم "الأمن الوجودي" ذاته الذي قامت عليه الرواية الإسرائيلية الرسمية منذ التأسيس؛ فحين تتحول الحرب إلى حال متوارثة مع الأجيال، كما تصفها افتتاحية "معاريف" بصراحة لافتة، فإن السؤال لم يعد عن كيفية الانتصار في المعركة القادمة، بل عن جدوى منظومة أمنية بأكملها فشلت، على الرغم من نصف قرن من التفوق العسكري، في أن تنتج لمواطنيها ما وُعدوا به: حياة طبيعية بعيدة عن جبهات القتال المتكررة.
خلاصة.. سلام مؤجل بين حربين
ما تكشفه هذه القراءة المتقاطعة للصحافة العبرية ومراكز الدراسات والنخب السياسية والعسكرية الإسرائيلية هو أن السلام الذي تُبشّر به "إسرائيل" رسميًا يظل سلامًا مؤجلًا وهشًا، ما دام قائمًا على موازين القوة وحدها من دون معالجة جذور الصراع. استمرار نهج إدارة الصراع، بدل الانخراط الجاد في تسويته، يجعل من كل هدنة أو اتفاق محطة عابرة بين حربين، لا محطة أخيرة على طريق الاستقرار.
الأخطر من ذلك أن النقاشات الإسرائيلية الداخلية نفسها، بما تحمله من اعتراف متزايد بفشل الحلول العسكرية المنفردة وتراجع الثقة بقدرة القوة وحدها على إنتاج الأمن، تكشف أن الأزمة لم تعد أزمة أعداء "إسرائيل" فحسب، بل أزمة تصوّرها لمعنى الأمن والسلام في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط).. وطالما ظل هذا التصور حبيس منطق الردع المتبادل والاستنزاف طويل الأمد، فإن الحرب القادمة لن تكون استثناءً، ستكون استمرارًا منطقيًا لمسار لم يُغلق يومًا.
المراجع والمصادر
Ashkenazi, A. (2026, June 29). Maariv editorial on the Israeli military presence in southern Lebanon. Maariv.
مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. (2026). آراء النخبة الصهيونية المعارضة: تصنيف الذكاء الاصطناعي للتغريدات الإسرائيلية حول الجبهة اللبنانية والجبهة الداخلية (العدد 110، 29 حزيران 2026).
مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. (2026). اتفاق التنازل: نظرة عبرية (29 حزيران 2026).
Jervis, R. (1978). Cooperation under the security dilemma. World Politics, 30(2), 167–214.
Traboulsi, F. (2007). A history of modern Lebanon. Pluto Press.
Ayoob, M. (1995). The third world security predicament: State making, regional conflict, and the international system. Lynne Rienner Publishers.