الجنوب يعود الى العمل ويكتب أولى صفحات النُهوض

post-img

عباس قبيسي (صحيفة البناء) 

قبل أن تعود الأبنية والمحلات إلى ما كانت عليه يعود الإنسان، وقبل أن تُرمَّم الجدران تُرمَّم الإرادة، فالحروب لا تنتهي بمجرد توقف القصف، بل تنتهي عندما يفتح العامل باب مؤسّسته من جديد، ويعيد صاحب المحلّ ترتيب بضاعته، ويعود صوت الآلات إلى المصانع بعد صمت قسري فرضته الحرب، هناك فقط تبدأ الحياة بالانتصار على الدمار.

لم تكن الجولة التي شاركت فيها نهار السبت 4 تموز 2026 ضمن وفد الاتحاد العمالي العام برئاسة الدكتور بشارة الأسمر ونائبه الحاج حسن فقيه، مرافقين لمعالي وزير العمل محمد حيدر في زيارته إلى محافظتي الجنوب والنبطية، مجرد زيارة بروتوكولية أو محطة رسمية، كانت فرصة لنرى بأمّ العين كيف يكتب الجنوبيون أولى صفحات النهوض والعودة بعد عدوانٍ كارثي ترك خلفه الدمار والخراب، لكنه لم يستطع أن ينتزع منهم إرادة الحياة.

من سرايا صيدا، بحضور النائب د. أسامة سعد والنائب د. ميشال موسى، إلى محافظة النبطية بحضور النواب هاني قبيسي وناصر جابر ود. قاسم هاشم وممثل النائب محمد رعد، وصولاً إلى قضاء صور بحضور النائبين علي خريس وحسين جشي، كان العنوان واحداً في كلّ لقاء مع العمال وأرباب العمل كيف نعيد عجلة الإنتاج إلى الدوران؟ وكيف نحمي لقمة عيش الناس بعد أشهر طويلة من التوقف القسري؟

لكن ما لفتني لم يكن ما قيل داخل قاعات الاجتماعات مع عدد كبير من الفاعليات بل ما رأيته خارجها، رأيت أصحاب المؤسّسات وقد سبقوا الجميع إلى أماكن عملهم، رأيت من يحمل المكنسة ومن يزيل الركام عن مدخل متجره، ومن يمسح الغبار عن آلات مصنعه، ومن يعيد ترتيب مؤسسته وكأنها تفتح أبوابها للمرة الأولى، أكثر من أربعة أشهر من الغياب لم تصنع اليأس، بل صنعت عزيمة أكبر على العودة.

هناك أدركت أنّ الجنوب لا ينتظر من يمنحه الأمل، لأنه يصنعه بنفسه، وأنّ العامل الجنوبي لا يعتبر عمله مجرد مصدر رزق، بل عنواناً للكرامة والصمود والانتماء لأرضه، لذلك كانت العودة إلى الأسواق والمصانع والمؤسّسات إعلاناً واضحاً بأنّ الحياة أقوى من الحرب، وأنّ الإنتاج هو الردّ العملي على كلّ محاولات كسر إرادة الناس.

هذه الإرادة الشعبية تستحق أن تقابلها إرادة رسمية بالسرعة نفسها، فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بجولات ميدانية أو تسجيل حجم الأضرار، بل الإسراع في دفع التعويضات، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وتأمين الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق، وتقديم كلّ أشكال الدعم للمؤسسات والقطاعات الإنتاجية، لأنّ أيّ تأخير في هذه الملفات يعني تأخير عودة آلاف العائلات إلى حياتها الطبيعية.

ما خرجت به من هذه الجولة ليس تقريراً عن حجم الدمار، بل قناعة راسخة بأنّ الجنوب رغم كلّ ما أصابه، ما زال يمتلك أثمن ما يمكن أن يمتلكه أيّ وطن الإنسان الذي يرفض الاستسلام وعندما يكون الإنسان بهذه الإرادة، تصبح إعادة الإعمار مسألة وقت، لا مسألة قدرة.

فالركام يمكن أن يُزال والغبار يمكن أن يُمسح والمصانع يمكن أن تعود إلى الإنتاج، لكن ما يجب الحفاظ عليه هو هذه الروح التي رأيناها في عيون العمال وأصحاب المؤسسات، إنها الثروة الحقيقية للجنوب وهي الضمانة بأنّ هذه الأرض ستبقى تنهض في كلّ مرة مهما اشتدّت عليها المحن…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد