ماذا ينتظر جبهة لبنان؟

post-img

عباس المعلم (صحيفة البناء)

بعيداً عن الضجيج السياسي والتصريحات المتضاربة، تبدو مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية أقرب إلى هدنة هشة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار جدي، فيما يبدو اتفاق الإطار بين “إسرائيل” والسلطة اللبنانية وكأنه وُلد فاقداً لعناصر الحياة السياسية والميدانية معاً. لذلك، فإنّ المؤشر الأكثر صدقية لا يكمن في البيانات الدبلوماسية، بل في حركة الميدان التي لا تزال ترسم صورة معاكسة تماماً لأيّ حديث عن استقرار أو حلول قريبة.

فعلى الضفة “الإسرائيلية”، يواصل الاحتلال فرض وقائع استراتيجية جديدة جنوب لبنان، عبر توسيع نطاق ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، سواء بالاحتلال المباشر أو بفرض السيطرة النارية على مساحات إضافية، بالتوازي مع استمرار العدوان الجوي والبري وعمليات النسف والتدمير واسعة النطاق. وفي الوقت نفسه، يمضي في تعزيز بنيته العسكرية بوتيرة متسارعة، من خلال تحصين المواقع القائمة، وإنشاء نقاط ارتكاز جديدة، وربطها ضمن شبكة عملياتية متكاملة أشبه بحزام دفاعي وهجومي، مزوّدة بأحدث منظومات الرصد والاستشعار والرادارات والمراقبة الإلكترونية، إلى جانب نشر منظومات اعتراض جوي داخل المناطق المحتلة، بما يعكس استعداداً لحرب طويلة أكثر مما يوحي بالتهيؤ لمرحلة تهدئة.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الدفاعي، إذ ينشط الاحتلال استخبارياً وتقنياً لإيجاد وسائل أكثر فاعلية في مواجهة المسيّرات الانقضاضية التابعة لحزب الله، ولا سيما منظومات FPV التي فرضت تحدياً عملياتياً متزايداً. وفي هذا الإطار، دفع بمجموعات من القناصة إلى مواقع مرتفعة ومشرفة يُرجّح أن تشكل ممرات محتملة لهذه المسيّرات، في محاولة لبناء طبقة دفاع إضافية تعالج الثغرات التي كشفتها المواجهات السابقة.

في المقابل، لا تبدو المقاومة وكأنها تتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها نهاية للمواجهة، بل كفترة إعادة تموضع واستعداد لجولة أشدّ تعقيداً. فالمؤشرات الميدانية تتحدث عن تسريع وتيرة إعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة، واستعادة البنية العملياتية، وتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية، إلى جانب التزوّد بمنظومات تسليح أكثر ملاءمة لطبيعة أيّ تصعيد “إسرائيلي” محتمل، بما يعكس قناعة بأنّ قواعد الاشتباك الحالية لا تمتلك مقومات الديمومة.

أما المؤشر الأكثر دلالة على هشاشة الواقع القائم، فهو أنّ الجيش اللبناني لم يعد حتى الآن إلى عدد من المواقع التي أخلاها خلال الحرب الأخيرة، في مشهد يعكس استمرار الفراغ الأمني في أجزاء من الجنوب، ويؤكد أنّ البيئة الميدانية لا تزال بعيدة عن أيّ حالة استقرار فعلي. فحين تستمرّ الجيوش في التحصين، وتتوسّع خطوط السيطرة، وتتسارع وتيرة إعادة بناء القوة لدى طرفي المواجهة، يصبح الحديث عن الحلّ أقرب إلى توصيف سياسي منه إلى حقيقة استراتيجية؛ لأنّ الميدان، في نهاية المطاف، هو الجهة الوحيدة التي لا تجيد المجاملة، ولا تكذب في قراءة ما هو آتٍ…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد