يقرأ كتاب "تاريخ شعبي لكرة القدم" للكاتب والصحافي الفرنسي ميكائيل كوريا (ترجمة: محمد عبد الفتاح السباعي، دار المرايا، القاهرة، الطبعة الأولى، 2022) كرة القدم بوصفها ظاهرة تاريخية وثقافية واقتصادية تشكّلت عبر قرون طويلة، وتداخلت بها السلطة في المجتمع، والمتعة في الصراع الاجتماعي. ينطلق الكتاب من فكرة أن كرة القدم لها جذور تعود إلى ممارسات شعبية قديمة في أوروبا، كانت أقرب إلى ألعاب جماعية فوضوية في الشوارع والساحات. ومع مرور الوقت، خاصة خلال التحولات الكبرى في أوروبا منذ القرن التاسع عشر، أعيد تنظيم هذه اللعبة داخل المدارس والمؤسسات، ثم جرى تقنينها لتصبح رياضة لها قوانين واضحة وبنية تنافسية رسمية.
ارتبط هذا التنظيم وفقًا للباحث الفرنسي بمشروع اجتماعي هدفه ضبط سلوك الطبقات العاملة وتوجيه طاقتها داخل إطار منظّم. هنا، يبرز الكتاب كيف أن كرة القدم أصبحت جزءًا من مشروع أوسع مرتبط بالثورة الصناعية وبناء الدولة الحديثة، حيث استُخدمت كأداة لتربية الانضباط وتعزيز روح الفريق، وفي الوقت نفسه لتخفيف التوترات الاجتماعية داخل المصانع والمدارس. لكن المفارقة التي يركز عليها المؤلف هي أن هذه الأداة التي صُممت للضبط والسيطرة، تغدو أيضًا مساحة للتمرد وبناء الوعي الطبقي، إذ ساهمت في خلق إحساس جماعي لدى العمّال بانتمائهم وحقوقهم.
من البُعد الاجتماعي ينتقل الكتاب إلى الجانب السياسي، موضحًا كيف استُخدمت كرة القدم في أنظمة سلطوية ودكتاتورية كوسيلة دعائية. فأنظمة مثل الفاشية والنازية أدركت مبكرًا قوة اللعبة في التأثير على الجماهير، فعملت على توظيفها لإنتاج صورة عن القوة والوحدة الوطنية. كما يشير إلى أن بعض اللاعبين دفعوا ثمن مواقفهم السياسية، في ظل أنظمة لم تتسامح مع أي شكل من أشكال المعارضة.
في المقابل، يعرض الكتاب نماذج مضادة استخدمت فيها كرة القدم بوصفها أداة مقاومة، سواء ضد الاستعمار أو الاحتلال أو التمييز العنصري. فهناك حالات تاريخية استُخدمت فيها المباريات والمنتخبات الوطنية كرموز لهوية سياسية مهددة، مثل تجارب حركات التحرر في الجزائر، أو الاستخدام الرمزي لكرة القدم في سياقات النضال الفلسطيني، حيث غدت اللعبة مساحة تعبير عن الوجود والاعتراف.
كما يناقش الكتاب ما شهدته كرة القدم في العصر الحديث مع صعود العولمة والرأسمالية الرياضية، حيث أصبحت الأندية شركات ضخمة، واللاعبون جزءًا من سوق عالمي ضخم. هذا التبدّل رافقه اتساع الفجوة بين الجماهير الشعبية والطبقات المالكة للأندية، وارتفاع أسعار التذاكر، وصارت الملاعب فضاءات شبه تجارية، فكرة القدم داخل الملعب تبدو "متساوية القواعد"، لكن خارج الملعب هناك تفاوت كبير بين الأندية، والتمويل، والسلطة، وسوق اللاعبين، وهذا التناقض بين العدالة الشكلية وعدم المساواة الفعلية هو من محاور التحليل الأساسية في الكتاب. ويطرح المؤلف مقارنة لافتة بين كرة القدم مؤسسةً عالمية وبين المنظمات الدولية، مشيرًا إلى أن عدد الدول المشاركة في الاتحاد الدولي لكرة القدم أكبر من عدد الدول المعترف بها في الأمم المتحدة، ما يمثّل مدى اتساع تأثير اللعبة في تشكيل مفهوم الهوية والانتماء.