قصة مشروع أميركي

post-img

محمود عبد الحكيم/جريدة الأخبار

ربما جالَس الشرع نفسه يومًا وقال ماذا أحاول أن أحقّق بالضبط؟ وماذا أثبت ولمن؟ ومن هنا افتتح تعاونًا استراتيجيًا جديدًا مع أميركا وبريطانيا وفرنسا، بعد تخادم لا محدود مع تركيا، عضو «الناتو» الذي لا يحكم بالشريعة. لكن عدا التحوّل البراغماتي، يوضّح احتساب معنى وأثر حقائق أخرى العامل المشترك الأكبر بين مراحل فاعلية الشخصية وأعمالها. حقائق مثل علاقة نشأة «داعش» بالولايات المتحدة، وعلاقة سجن بوكا الأميركي بجمع وتنظيم هيئة جهاديين كادت أن تفجّر العراق كله، واحتلّت قطاعًا منه لاحقًا، وعلاقة نشأة «جبهة النصرة»، من حيث كرّس الشرع موقعه وحجمه الجهادي، بقطر تحديدًا. ويبدو أن المشترك الحقّ هو السلاح الأميركي وأموال فوائض النفط.

كانت الخاتمة قول الشرع في لقاء، بقمة «الناتو» في أنقرة، إنّ قرار ترامب برفع العقوبات تاريخي ومشكور، منوّهًا بمساعدة الأصدقاء والداعمين في المنطقة، في مقابل تنويه ترامب - جالسًا بجواره - عن الاعتراف بضم الجولان إلى إسرائيل، والآخر مُطرق يصوّب بصره على نقطة ثابتة، وتأكيده قراره برفع سوريا من قائمة «الدول الراعية للإرهاب». الإرهاب، الذي يُعرَّف أميركيًا وفق الحاجة والمرحلة، تجده تارةً القومية العربية الفاعلة أو الفكر البعثي أو الجهادي، أو ولاية الفقيه أو الاشتراكية والشيوعية. وهنا يخدم الشعار والخطاب أهدافًا استراتيجية ببساطة، يشير الحاكم العربي إلى خطورتها مرارًا أثناء الأحداث، وهو يعاونها ويكتشف ممكنات الإفلات أو التعظيم لمصالحه الضيقة في تداعياتها.

المسافة بين الغرب الذي يحارب «الإسلام» فحسب، ويمنع وحدتنا ويشغّل الأنظمة القومية والوطنية، وبين «الواقعية» المستجدّة، بعد تنسيق دولي وإقليمي واسع لإسقاط النظام السابق، تعكس قدرة المنظومة على الاحتواء والتوجيه أكثر من نزوع الشرع إلى الفكر العملي والسياسة، عوضًا عن «التطرف». لأن مساره عملي بالدرجة ذاتها منذ البداية، عندما أتاحت له الدولة السورية دخول العراق، وبعدها بعمله من خلال تحالفات جهادية دعمها طرف إقليمي معروف، ثم الانشقاق عن الظواهري والمرحلة الذهبية من العمل المشترك مع المموّلين والمستشارين الغامضين - المعروفين، والتنسيق مع غرفة عمليات غربية تركية خليجية بات دورها موثّقًا تاريخيًا.

هذا التعاطي مع واقع الهيمنة المركّبة، من تركيا وقطر إلى الولايات المتحدة، مثّل ترقّيًا حقيقيًا «واقعيًا» رأيناه، من قيادة وسطى إلى كبيرة إلى مشغّل رئيسي. وشمل عملًا إداريًا وتنظيميًا، بلغ أقصى تعقيد بانطلاق المعركة الأخيرة، بعشرات الفصائل غير المُندمجة بالكامل وقتها بإمارة إدلب، وفرزًا عسيرًا يتواصل حتى اللحظة مع الاغتيالات المنتظمة بالمُسيّرات للعناصر المتمسكين بـ«التطرف»، وإصابة ضباط كثر من العهد السابق، اندمجوا أو تُركوا وشأنهم، بنوبات قلبية مفاجئة تباعًا لما يقارب الشهر. على المستوى الاقتصادي لم يكن للتجربة أن تحقّق شيئًا، أو أن تُعد خبرة إدارة دولة؛ لكنها استقرّت سياسيًا، ومثّلت بؤرة استراتيجية غيّرت المنطقة. ويبدو أن لحظة التنوير تلك، والانتقال إلى هامش مائدة الكبار أخيرًا، كانت وقت نضج المقدرات والتراكم الذي أتاحته إدلب، برعاية تركية شاملة، وقد توفّرت شروط الانتقال إلى مرحلة لاحقة.

يرى ترامب أن غالبية القيادات والكيانات السياسية قابلة للشراء، ولا استثناء سوى المجانين أصحاب الدوافع المختلّة، باعتبار ولائه لمنطق الربح المالي الخاص والتدمير عين العقل «العملي». ويبدو أن الشرع رأى ثوابته قابلة للتنازل، لأنه ليس مناضلًا إنما أمير حرب: لا دهاء ولا مبدئية في إتقان جلب التمويل والسلاح والدعم السياسي من مكوّنات معسكر واحد. والغضب الديني من «علمانية» أنظمة المنطقة وتبعيتها يمكن اعتباره رأسَ مالٍ معنويًا أميركيًا، يعيد الواقع إنتاجه وتحدّد الفاعلية الأميركية سقفه وأطرافه، فينتهي إلى قبولها وقد مثّلت مظلّته الأقوى وحبله السُّرّي، ويربح الجائزة - السلطة.

سيقيم فريق بريطاني في القصر الرئاسي ويتولّى، مع مكتب سويسري، رسم صورة حاكم يقود سيارته بنفسه ويزور المطاعم الشعبية ويُحاط بالناس، في محاكاة ناجحة الأثر للحاكم السابق. صحيح أنه مستحيل أن يفعلها في الرقة أو الحسكة أو دير الزور، وإن فعل مثلها في الساحل السوري لتبييض الوجه، تحت غطاء قمعي أمني كثيف، لكن مرة أخرى - مثل إدلب - استقرار التجربة يكفي، ويستطيع التمويل السعودي والقطري ودمج الاقتصاد السوري تحت التركي (بحكم الأمر الواقع) تعويمها، تحت الشروط الإسرائيلية، لتبقى على قيد الحياة لا لتتطوّر في اتجاه بناء «دولة».

ماذا عن الجولان؟ الملف متصل بكبار المتبرّعين الصهاينة لترامب، والعلاقات الأميركية الإسرائيلية. جمّدت الدولة السورية السابقة وضعه، لكن ثبّتت صفة الأرض المحتلة عليه رسميًا وبالقانون الدولي، والآن يتأمل الشرع السجادة وترامب يفخر بالقرار، وبكونه أهم رؤساء أميركا من جهة جني ثمار الفاعلية الإسرائيلية، وتحويلها إلى مُنجز ملموس. والمشهد لم يُرسم عمدًا بالتحديد، إنما جاء منطقيًا: كان قول ترامب سابقًا إن تكفيريّي سوريا والعراق استثمار أميركي إقرارًا بواقع استراتيجي يُبنى عليه، لا مجرد دعاية سياسية ضد الحزب الديمقراطي، وكذلك إشارته إلى الشراكة التركية الأميركية في سوريا.

ماذا عن «الإرهاب»؟ هو في منطقتنا مشروع أميركي بحكم الاستخدام، بصرف النظر عن تنوّع الأمثلة والمآلات، لأن بصمة مصالح النخبة الأميركية، وحديثهم في مذكّراتهم ومحاضر اجتماعاتهم الرسمية، يقولون ذلك مباشرةً. في الأساس صُنّفت سوريا دولة داعمة للإرهاب في عام 1979 المهم، الذي شهد الثورة الإيرانية وتوقيع نسخة كامب ديفيد النهائية، بسبب تجاوز سوريا للمقبول أميركيًا وإسرائيليًا، أثناء «التدخّل» نفسه الذي لم يمانعه الطرفان ولم يستطيعا منعه. والآن يفخر الرئيس، ملوّحًا بتوقيع ترامب، بتطهّر سوريا من الإرهاب وإغلاق قوس أميركي مفتوح.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد