إيران وحماس.. من مرج الزهور إلى "طوفان الأقصى"

post-img

حسن نعيم/ روائي وكاتب لبناني

يسرد كتاب «إيران وحماس: من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى» للباحثة فاطمة الصمادي قصة العلاقة بين الطرفين. الكتاب الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات الصادر يقدم تفسيرًا موضوعيًا للمبادئ العقائدية والسياسية والاستراتيجية التي تحكم هذه العلاقة وتطورها. كما يستعرض الأطراف المرتبطة بها، والتي تُعرف سياسيًا وإعلاميًا باسم "محور المقاومة"، باعتباره جسدًا واحدًا تقع عاصمته النابضة في طهران.

​تنطلق سردية الكتاب الشاملة من الجذور التاريخية للموقف الإيراني تجاه فلسطين، وتبدأ هذه الجذور من العهد القاجاري، ثم تمر بالعهد البهلوي، وصولًا إلى تأسيس الجمهورية الإسلامية في العام 1979.

​ينتقل الكتاب بعدها إلى بدايات هذه العلاقة التي بدأت خجولة وحذرة بين إيران وحماس، وتطورت ملامحها بعد إبعاد قادة الحركة إلى "مرج الزهور" في جنوب لبنان عام 1992.

شكلت هذه المحطة انطلاقة قطار العلاقة الذي تسارع متجاوزًا عوائق الاختلاف المذهبي لبناء تحالف استراتيجي مستمدًا وقوده من جذور جهادية عقائدية، وإلى وجود عدو مشترك مستعلٍ وتوسعي. وتدريجيًا، تلاشت أوراق الحذر والأحكام المسبقة. وانخرطت أجهزة الجانبين في آلية تعاون سياسي وعسكري ومالي استمرت لثلاثة عقود متواصلة.

​شهدت العلاقة لاحقًا خلافات وتحديات واضحة. وبرزت الأزمة السورية بعد العام 2011 لتحدث تباينًا جليًا في المواقف. رأت حماس في الحراك السوري ثورة على القمع والديكتاتورية. في المقابل، حافظت إيران على حليفها الاستراتيجي في دمشق لمواجهة الأطماع الصهيونية. ورغم ذلك، لم تتخلَّ طهران عن نصح حليفها بالإصلاح السياسي والاصغاء لصوت الشارع.

​أحدثت التطورات السورية فجوة بين الطرفين. لكن قائد فيلق القدس، الحاج قاسم سليماني، بذل مساعي حثيثة لتجاوزها. وعمل سليماني بين عامي 2011 و2017 على إعادة وصل ما انقطع. ونجحت جهوده في ترميم العلاقة خلال السنوات اللاحقة. وتجاوز حضور سليماني الدور العسكري؛ إذ أدار الخلافات السياسية داخل المحور نفسه بكفاءة.

​استمرت العلاقة بعد رحيل سليماني وغياب كاريزمته الخاصة. وتغلب منطق التعاون الاستراتيجي على تباين وجهات النظر. وبدت الخلافات تفصيلية وهامشية أمام معركة الوجود الكبرى مع الكيان الصهيونى.

​جاءت عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتؤكد هذا الترابط. أظهرت القيادة الإيرانية دعمًا كاملًا للعملية، رغم غياب التنسيق المسبق معها حول التوقيت. وكان التوقيت محرجًا لطهران. فالقيادة الإيرانية تجتهد لاستبعاد شبح حرب غير متكافئة وتعمل على درئها. وهي تعتمد في ذلك على سياسة "الصبر الاستراتيجي" واستكمال أوراق القوة لمعركة قادمة لا محالة. كما تدعم حركات المقاومة وفق أولويات الصراع ودينامياته الإقليمية والدولية.

​يشكّل هذا الكتاب مرجعًا مهمًا للدارسين. فهو يساعد في استيعاب طبيعة العلاقة الجدلية بين الطرفين. وينقسم المتابعون حولها إلى فريقين. يراها الفريق الأول تحالفًا سياسيًا واستراتيجيًا بين طرفين مستقلين، وهو رأي قيادات حماس وإيران. بينما يراها الفريق الثاني، الذي يمثل التيار التطبيعي وملحقاته الإعلامية، مجرد علاقة تبعية.

​يعتبر المؤلف من أكثر الكتب شمولًا في دراسة هذه العلاقة. وتنبع قيمته العلمية من اعتماده على وثائق وشهادات ومقابلات مع شخصيات فاعلة. كما تميز بمقاربته التاريخية والتحليلية التي تتيح فهم تطور العلاقة في سياقاتها الإقليمية.

​تأتي أهمية كتاب «إيران وحماس: من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى» من كونه يسدّ نقصًا واضحًا في المكتبة العربية. فقد تناولت معظم الكتابات السابقة هذه العلاقة من منظور أيديولوجي أو سجالي. أما فاطمة الصمادي، فقد قاربتها بوصفها ظاهرة سياسية وتاريخية مركبة تتحكم فيها عوامل العقيدة والمصلحة والجغرافيا السياسية معًا.

​يفتح هذا العمل الباب أمام أسئلة جديدة. ما هو مستقبل العلاقة بين إيران وحماس بعد طوفان الأقصى؟ وكيف سيتكيف محور المقاومة مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة؟ لا يطمح الكتاب إلى تقديم أجوبة نهائية، بل يسعى إلى تأريخ العلاقة الثنائية. وهو بذلك يمثل مساهمة حقيقية في فهم تحولات الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد