كيف يمكن لشاعر وروائي ومشتغل في الفلسفة ووزير في الحكومة في زمن الحرب ونازح متنقّل في بلاد الله من كوارث أحداثها، أن يصف الحرب ويكشف ماهيتها ويكشف طبيعتها، ولا سبيل له للوصول إلى حقيقتها، وقد عاشها عيشًا نقديًا، إلا بالرواية السيرية.
هي نوع من الرواية لأحداث الحرب يدخل فيها الحدث، مع من تذوّقه مذاقًا ذاتيًا، في سردية تجمع بين السيرة والأحداث، ونقدّم جوابنا الذاتي على عيش زمن الحرب مع الجميع. قضت ظروف الزمان أن أكتب عن الحرب ثلاثيةً -وتدخل في ما سمّيته «الرواية السيرية للحرب»- وهي تحتاج، كنوع أدبي، أن تجمع بين تاريخ الحرب وفن الرواية، معطوفة على السيرة في زمنها لكل من عاش أحداثها حتى إنه يصبح في مكان ما شريكًا في كتابتها، وبصراحة تكشف عن الحال وعيشه والمُراد من سرديته في حركة الزمان. إنني الآن أكتب القسم الثالث من هذه الثلاثية، ولم ينته بعد لأن الحرب لم تنته بدورها بعد.
تذكّرت الروابط بين الأعمال السردية الثلاثة بمناسبة حرب تموز. وقد كانت أحداثها موضوع القسم الأول («زمن الحرب: رواية سيرية في حرب تموز 2006»، صادرة في عام 2021 عن «دار الولاء») في الثلاثية الروائية، ولها على الحقيقة كيانها الخاص، لأنها تُعدّ وثيقة تاريخيّة لأعمال وجلسات مجلس الوزراء اللبناني في حرب تموز.
هي الوثيقة الحقيقية التي تكشف المواقف في تلك الحرب، حيث تنقُل أعمال جلسات مجلس الوزراء والمواقف في النقاش الذي كان يجري داخلها، وكذلك ما يحصل من اتصالات مع قوى إقليمية ودولية تابعت أحداث الحرب، ومع المؤسسات الدولية في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظّمة الدول الإسلامية والاتحاد الأوروبي والمبعوثين الدوليين، في لقاءات متابعة في السراي مقر الحكومة حيث يمكن العمل بلا مخاطر، وكذلك متابعة أعمال اجتماعات المؤسسات الدولية في زمن الحرب وجلسات التواصل بين القوى المُشارِكة في الحكومة في أعمال المستشارين والمعاونين السياسيين خارج مجلس الوزراء.
عرض «زمن الحرب»، في أسلوب سردية الرواية السيرية، لكل ما تعلّق بالحرب، وقدّم تفسيرًا وشرحًا مستفيضًا ودقيقًا لكل من النقاط السبع وكذلك القرار 1701 ولمسألة دخول الجيش منطقة جنوب الليطاني والعلاقة بين المقاومة والدولة اللبنانية ــــ وأعطت كل هذه لبنان مرحلة من الاستقرار غير المسبوق لمدة تزيد على عقدين من السنين، كانت ثمرة انتصار تموز 2006 بعد انتصار التحرير في أيار 2000، وثبّتت قواعد الردع في قوة المقاومة ومعادلة القاعدة الذهبية (وحدة الشعب والجيش والمقاومة» والتفاهم الوطني في إدارة شؤون البلاد والعباد.
استمر كل ذلك على ما ذكرت من الأحوال حتى دخل لبنان حرب غزة في صورتها المتأوجة للحرب العربية الصهيونية حول فلسطين. حرب غزة كانت على الحقيقة تأويلًا لهذه الحرب. دخلت فيها دول عربية مثل العراق واليمن ولبنان وسوريا ونأت عنها دول معنية مباشرة فيها مثل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية التي تربطها اتفاقيات مع دولة العدو كما هو معروف. ودول أخرى دخلت في نطاق التطبيع والاتفاقيات الإبراهيمية وما عُرف بصفقة القرن في الولاية الرئاسية الأولى لدولاند ترامب.
خرجت هذه الحرب على قواعد الحرب التقليدية في نسخة مرحلتها الرابعة المُعرّفة بقواعد الجنرال باول وتحوّلت إلى حرب إبادة جماعية للمدنيين في غزة، ثم انتقلت في الجبهة اللبنانية إلى مرحلة الحرب الكبرى بكل صورها وأبعادها والتي عرضت لها وكتبت سرديتها («سردية الحرب الكبرى»؛ وهي القسم الثاني من الثلاثية الروائية وصدرت طبعتها الأولى والثانية عن «دار البلاغة» - بيروت).
تطوّرت الحرب ودخلت فيها معادلات دولية كبرى تمثّلت في دخول أميركا وإيران ميدان الحرب، الأمر الذي بدّل صورتها وسنخية هويتها إلى صورة حرب الوجود: من الحرب الكبرى إلى حرب الوجود، بمعنى تأوج مراحل الحرب الكبرى إلى حرب الوجود.
كل مرحلة من مراحل الحرب تتضمّن قواعدها وتدخل أحداثها في قلب المرحلة التي تليها بمعنى حلقات من الصراع الوجودي يسير في حركة جوهرية إلى مراحله الأعلى ليبلغ غاياتها ويحقّق أهدافه، ويدخل العالم معه في زمان وجودي جديد.
لذلك، فإن حرب الوجود هي في الحقيقة دفاع عن وجود العالم بمقاومة حروب الإبادة البشرية واستخدام خبيث لعلوم التكنولوجيا، بما فيها جيل الذكاء الاصطناعي، من أجل فرض سيطرة على العالم تتجاوز موازين القوى في ما عُرف سابقًا بحرب النجوم والحروب الاستعمارية التقليدية.
لن أتحدّث عن هذه الرواية قبل صدورها لكنني أقول: حين تكتمل صيغتها التامة تكون الثلاثية قد بلغت بدورها تأوجها. ولكنّ السؤال الرعّاد الذي يبقى: هل تنتهي الحرب؟