محمد حسين إسماعيل (صحيفة البناء)
لم تعد المنطقة أمام جولات تصعيد عابرة، بل أمام تحوّل استراتيجي يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. فالمواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من تصعيد على الساحة اليمنية، تؤكد أنّ محور المقاومة لم يعد يكتفي بردود الفعل، بل أصبح جزءاً فاعلاً في معادلة الردع الإقليمية.
الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تبدو اليوم أمام واقع مختلف عما كان عليه قبل سنوات. فكلّ ضربة تقابلها رسائل ميدانية، وكلّ محاولة لفرض معادلة جديدة تواجه بردود تؤكد أنّ زمن العمل العسكري دون كلفة قد انتهى.
وفي اليمن، أثبتت الأحداث الأخيرة أنّ هذا البلد لم يعد الحلقة الأضعف، بل تحوّل إلى لاعب مؤثر في معادلات المنطقة. فالجبهة اليمنية باتت تمتلك القدرة على التأثير في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، وأصبحت أيّ مواجهة معها تحمل أبعاداً تتجاوز حدود اليمن نفسها.
ومع ذلك، فإنّ الحديث عن حرب إقليمية شاملة يبقى سابقاً لأوانه. فجميع الأطراف تدرك أنّ أيّ انفجار واسع سيحمل أثماناً باهظة، لذلك يبدو أنّ الصراع ما زال يُدار ضمن سياسة الردع المتبادل، مع بقاء احتمال الانزلاق إلى مواجهة أكبر قائماً في أيّ لحظة إذا فشلت الحسابات السياسية والعسكرية.
المؤكد أنّ الشرق الأوسط لم يعُد كما كان. فالتوازنات تتغيّر، ومحاولات فرض الإرادة بالقوة لم تعد تمرّ بسهولة، فيما تزداد قدرة قوى الإقليم على فرض حضورها في أيّ معادلة جديدة.
قد لا تكون الحرب الكبرى قد بدأت بعد، لكن المؤشرات تؤكد أنّ المنطقة دخلت مرحلة عنوانها تغيّر موازين القوة، وأنّ أيّ قرار متهوّر قد يشعل مواجهة ستتجاوز حدود دولة أو جبهة واحدة، لتطال الشرق الأوسط بأكمله…